تشريع استيراد النفايات في المغرب والتجربة الكندية في انتاج الوقود الحيوي في زمن كورونا

محمد بنعبو
رئيس المكتب الوطني لجمعية مغرب اصدقاء البيئة

ارتبطت التنمية الاقتصادية منذ الماضي ارتباطا وثيقا بالاستخدام المتزايد للطاقة وبالزيادة في انبعاثات الغازات الدفيئة، حيث عجلت حاجة المنشآت الصناعية الكبرى و معامل الإسمنت الى الطاقة بالبحث عن موارد طاقية إضافية عبر الاستغلال الأمثل للنفايات الصناعية كطاقة بديلة للوقود الأحفوري، وبالتالي المساهمة الفعالة و الايجابية في مسلسل التنمية المستدامة، ولكن بالرغم من ذلك فلا يزال يتعين تقييم مساهمة الطاقات المتجددة والنظيفة باختلاف مشاربها الشمسية والريحية والمائية والأخرى المستخرجة من النفايات في التنمية المستدامة وبالتالي ضرورة قياس مؤشرات التخفيف من آثار تغير المناخ وتقييم آثارها البيئية والصحية وبالتالي مقارنتها بمؤشرات تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

استيراد النفايات بالمغرب

ترى لماذا يستورد المغرب أطنانا من النفايات، بينما ينتج بنفسه الملايين منها كل عام و هل يتعلق الأمر بضمان جودة النفايات المستوردة؟ فقد أوضح بيان وزارة الطاقة و المعادن و البيئة الصادر يوم الاثنين 17 غشت 2020 أن المغرب استورد خلال الفترة من 2016 إلى 2019 حوالي مليون و600 ألف طن من النفايات التي تشكل المادة الأولية للطاقة، وأوضحت الوزارة أن نفايات المغرب يتم تدويرها و الاستفادة منها داخليا وهي لا تكفي لسد حاجيات المغرب الداخلية، في حين يتم تصدير النفايات التي لا يمكن تثمينها أو معالجتها على المستوى الوطني، ويخضع استيراد النفايات لمجموعة من المعايير والشروط أهمها ضمان عدم تأثيرها على البيئة، كما أنه يسمح فقط باستيراد النفايات التي سيتم تثمينها وتدويرها لا طمرها يضيف البيان.
الجدل الذي أثاره نشر وزارة الطاقة و المعادن و البيئة المغربية في زمن كورونا حيث عدسات الكاميرا موجهة نحو إحصاء ضحايا الفيروس الفتاك و الاعلام موجه نحو تثمين مجهودات الدولة في مواجهة الجائحة، أقدمت الوزارة الوصية على القطاع البيئي بنشر بالجريدة الرسمية عدد 6905 بتاريخ 3 غشت 2020 لقرارين وزاريين بشأن تحديد لائحة النفايات غير الخطرة التي يمكن الترخيص باستيرادها وبتحديد شروط وكيفية استيراد النفايات وتصديرها وعبورها، هذه القضية بالرغم من استغلال الحكومة للزمن المناسب لتمرير مثل هذه القرارات حيث المواطنين في غفلة مما يصنع الفاعل السياسي الذي يتقن استغلال الفرص لتشريع ما لم يكن بإمكانه تشريعه في أوقات اخرى، هذا القرار أعاد الى الواجهة قضية استيراد الوزارة الوصية لحوالي 2500 طن من النفايات التي كانت مخصصة لتغذية أفران مصانع الأسمنت حيث حاولت الوزارة الوصية يوم الإثنين 11 يوليوز 2016 طمأنة الرأي العام من خلال بيان توضيحي بأن المغرب يستورد سنويا “أكثر من 450 ألف طن من الوقود المشتق من النفايات” .
الوزيرة المنتدبة السابقة و المكلفة بالبيئة أكدت: “تمنح وزارة البيئة الإيطالية الإذن بعد تحليل تركيبة المخلفات والمستورد، وفي هذه الحالة، يقوم مصنعو الأسمنت باستيرادها فقط بمجرد التحقق من صحة الملف من قبل وزارة البيئة المغربية ولا يتم التحقق من صحة الملف إلا إذا كان يتوافق مع القانون”، وحسب الوزيرة المنتدبة السابقة: ” بمجرد استيراد المنتج يتم أخذ عينة من قبل مختبر معتمد للتحقق من امتثاله للملف المقدم في البداية”.
لجنة تقصي الحقائق تعري الصراع الصناعي البيئي
دعت لجنة تقصي الحقائق الحكومة إلى ضرورة اتخاذ قرار عاجل وواضح بخصوص الشحنة الإيطالية المحجوزة بمنطقة التخزين ببوسكورة، مسجلة “ارتباك وتذبذب” الحكومة في التعاطي مع الشحنة المستوردة من إيطاليا التي تعني “النفايات المشتقة كوقود بديل”، حيث أنها أوقفت استيراد جميع أنواع النفايات في مرحلة أولى وأكدت على أنها نفايات غير خطرة وتستعمل كوقود بديل، وبما أن مهنيي الإسمنت هم أبرز المعنيين باستيراد النفايات المستعملة كوقود بديل، كشفت لجنة تقصي الحقائق أن ممثل مهنيي الإسمنت أفاد أن المعامل الإسمنتية غير مؤهلة مقارنة مع دول أوروبا، بل هي ملزمة للقيام بتجهيزات معينة للوصول إلى المعايير الأوروبية، وبأن معظم النفايات غير الخطرة المستوردة توجه إلى الحرق في مصانع الإسمنت وفقا للاتفاقية المبرمة بين جمعية مهنيي الاسمنت والقطاع الحكومي المكلف بالبيئة والتي وقعت سنة 2003، وبأن هذا التوجه الجديد كلف استثمارات ضخمة خلال السنوات الأخيرة في تجهيز أفران لاستقبال الوقود الصلب المستخرج من النفايات والتحكم في الأدخنة والغبار الناتج عن حرقها.
و أكد التقرير أن إحدى شركات الاسمنت تستوفي نسبة مهمة من حاجياتها من الوقود الصلب من النفايات خاصة العجلات المستعملة، ما من شأنه تخفيف الضغط على مطارح النفايات المنزلية المراقبة، وتقليص نسبة استهلاك أراض وعقارات جديدة لطمر هذه النفايات.
التقرير أكد على عدم تحقق قسم الوقاية ومحاربة التلوث من قياس الانبعاثات الغازية المنبثقة بأكملها كما هو محدد في الاتفاقية وإنما يقتصر فقط على غازي أحادي أكسيد الكاربون و غاز الميتان بالاضافة إلى عدم توفر المختبر الوطني على الموارد البشرية والإمكانيات اللوجيستيكية للقيام بواجبه وتغطية المراقبة عبر التراب الوطني.
ويضيف التقرير أنه على إثر الضجة التي خلفتها عملية استيراد النفايات الإيطالية، جمدت الحكومة بقرار شفوي جميع عمليات استيراد النفايات الشيء الذي يتناقض و البلاغ الاخباري للوزارة الوصية و التي أكدت على ان عملية استيراد النفايات استمرت طيلة الفترة الممتدة مابين 2016 و 2019.
وخلصت اللجنة الى ضعف البنيات والتجهيزات الأساسية المتخصصة في معالجة النفايات الخطرة مقارنة مع حجم ما ينتج منها في المناطق الحرة بالمغرب، بالإضافة إلى الخصاص في الموارد البشرية بالقطاع الوصي على البيئة والاقتصار على بعض المضامين المسطرية لاتفاقية بازل والانسجام مع مقتضياتها، مع محدودية قدرة الوزارة الوصية على القطاع البيئي في المراقبة التقنية للنفايات التي تنتجها الوحدات الصناعية في عمليات الحرق.

وانتهت اللجنة الى تأثير توقيف عملية الاستيراد للنفايات المستعملة داخل الوحدات الصناعية مخلفا أضرارا اقتصادية مما جعل الحكومة تتراجع عن منع استيراد النفايات فضلا على أن الحكومة ارتكزت على استيراد النفايات الخطرة وغير الخطرة على مشروع مرسوم 2.14.505، المصادق عليه في المجلس الحكومي، وغير المنشور في الجريدة الرسمية مما يعد خرقا قانونيا واضحا وأخيرا النقص المهول في الوسائل اللوجستيكية والموارد البشرية للشرطة البيئية مقارنة بالمهام الموكولة إليها، حيث لا يمكن ل 70 عنصرا من هذا الجهاز على المستوى الوطني، حسب تصريحات المسؤولين بالوزارة المعنية من إنجاز مهام التتبع والمراقبة بالنجاعة المتوخاة، خاصة في مجال تدبير النفايات المنتجة بالوحدات الصناعية.
المجتمع المدني يتفاعل
ومباشرة بعد نشر الوزارة للبيان التوضيحي حول التشريع باستيراد اكثر عن 300 نوع من أنواع النفايات المصنفة ضمن النفايات غير الخطيرة حسب نص القرار التطبيقي، أدان الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الانسان نشر هذا القرار في في هذا الظرف الوبائي الخطير والجمهور منشغل في مواجهة مخاطر الكوفيد، و رفض الائتلاف بقوة ان تبيح الحكومة المغربية ووزارة الطاقة والمعادن الاتجار في النفايات الخطيرة وغير الخطيرة، ورفض ان تسمح لمن يريد استيرادها ونقلها وجني الثروة و الارباح وراءها، كما يرفض ان تسترخص الحكومة قيمة المواطن داخل وطنه وان تصدر مراسيم وقرارات تهدد صحته وأمنه الانساني وأمنه البيئي وتربة بلده ومياهه وهواءه وذلك ضدا على الدستور وعلى المواثيق الدولية في مجال البيئة والسلامة الصحية.
النفايات مورد طاقي إضافي
ويظهر الجدل الدائر حول إمكانية استيراد النفايات الصناعية خطيرة كانت أو غير خطيرة ووصولها إلى المغرب، فعوض ان يفكر الساهرون على الشأن البيئي في هذا الوطن الاحرى بهم ان يستفيدوا من تجارب الدول الاخرى عوض أن يجعلوا من المغرب مطرحا عموميا مفتوحا لنفايات العالم، فمجموعة من الدول العظمى تستعمل هذه النفايات كمورد طاقي إضافي أمن حالنا كبلدان العالم الثالث مفروض علينا ان نستقبل نفايات العالم المتتقدم و بصدر رحب و بالتصفيق و الزغاريت، هذا ما يفسره السرعة في اخراج قرارات تطبيقية في وقت استثنائي حيث ان الناس في غفلة مما تصنع حكومتهم المنتخبة حيث صودق عليها في 14 يوليوز 2020 و تم اخراجها على وجه السرعة في الجريد الرسمية بعد اسبوعين فقط.
الاتحاد الاوروبي سباق في انتاج الوقود الحيوي البديل
وهناك نوعان من الإجراءات: إحداها يعرف باسم “استعادة المواد” والذي يتكون من استعادة المواد القابلة لإعادة الاستخدام من خلال إعادة التدوير أو التسميد، والآخر يسمى “استعادة الطاقة” من خلال الحرق على وجه الخصوص، تم بالفعل استخدام هذه الطاقة البديلة الشهيرة كوقود ثمين ولعدة سنوات من قبل العديد من البلدان، ففي ألمانيا مثلا يتم استخدام مليوني طن من الطاقة البديلة كل عام ووفقا لدراسة أجرتها لجنة البيئة التابعة للاتحاد الأوروبي عام 2011 فإن إنتاج الطاقة البديلة هو أكثر نشاطا في الدول الاوروبية وتعد هولندا من بين أفضل الأمثلة في إعادة التدوير و تؤكد الدراسة أن أوروبا تستخدم عموما حوالي 20 مليون طن من النفايات البديلة و المستخرجة من النفايات كل عام.
في فرنسا أدى استخدام الوقود المستعاد من النفايات إلى تقليل ما يقرب من 50000 طن سنويا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، هذا ما أكدته الدراسة، بالاضافة الى أن استخدام هذه الطاقة النظيفة لم يكن له أي تأثير سلبي على انبعاثات الهواء من مصانع الأسمنت و بالتالي يسمح استعمال هذا النوع من الطاقة بتوفير في استهلاك الوقود التقليدي والمواد الخام في حدود 40٪ إضافة إلى تقليل كميات النفايات التي سيتم إرسالها إلى مطارح النفايات فضلا عن تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون و بالتالي التخفيف من آثار الاحتباس الحراري على الكوكب.
مدينة مكناس رائدة عالميا في إنتاج البيوغاز
و يرجع الخبراء مصدر النفايات الى %34 من بقايا الطعام و%20 نفايات ورقية و%18 مخلفات البلاستيك و%11 نفايات زجاجية و%11 بقايا المعادن و%6 من مخلفات الأشجار والبستنة، حيث يمكن لــــ %60 من تلك المخلفات إعادة استخدامها و تدويرها في حين أن %44 منها يمكن أن يكون مصدرا للطاقة عبر الحرق المباشر حيث يطلق عليه مصطلح “الوقود المشتق من النفايات”، ويساعد هذا الوقود على الحد من تخزين المخلفات الصناعية والتخلي عنها على المدى الطويل، ودرء المخاطر البيئية التي يمكن أن يسببها تراكمها في المطارح العشوائية، أما بالنسبة للجزء المتبقي من النفايات الصلبة والذي يمثل بقايا الطعام يمكن أن يكون مصدرا للطاقة عبر إنتاج الغاز الحيوي “البيوغاز”، و تعتبر مدينة مكناس رائدة في هذا المجال عبر توفر مركز تثمين النفايات المنزلية على تقنيات عالمية الجودة تحول عصارة النفايات “ليكسيفيا” الى مياه صالحة لسقي المساحات الخضراء و تطمح الجماعة الترابية مكناس عبر هذا المشروع النموذجي و الذي تم تتويجه بشارة قمة المناخ في نسختها 22 والمنعقدة بمدينة مراكش عام 2016، الى ربط المنشات الصناعية القربية من المركز بالطاقة الكهربائية المستخرجة من خلال البيوغاز، في مقابل ذلك تعيش مجموعة من المطارح العشوائية و غير المراقبة على الحرق المباشر للنفايات أو طمرها مما يؤثر بصفة مباشرة على الفرشة المائية، ومطرح مديونة خير دليل على ذلك حيث الليكسيفيا أغرقت الطرقات المجاورة للمطرح، أم مطرح أم عزة فصهاريج تجميع الليكسيفيا قد امتلأت عن آخرها و تنذر بكارثة بيئية على مستوى جهة الرباط.

تحويل نفايات كندا إلى طاقة

في زمن كورونا وبينما يمر الاقتصاد الكندي بفترات حرجة عامة وصناعة تدوير النفايات خاصة بأزمة كبيرة لم يشهدها إقليم كيبيك من قبل، هذه الأزمة التي ترجع أسبابها بالدرجة الأولى إلى جائحة فيروس كورونا حيث أثرت الإجراءات الاحترازية التي فرضتها السلطات الكندية على عملية تجميع النفايات القابلة للتدوير، و يرى الخبراء أنه سيكون من المربح تحويل جزء من نفايات كندا إلى طاقة، حيث على الرغم من فرز النفايات واستعادة المواد القابلة لإعادة التدوير في كندا إلا أنه ينتهي الأمر بأكثر من خمسة ملايين طن من هذه النفايات التي تم فرزها في مطارح النفايات في إقليم كيبيك كل عام، وهذا هو الدافع الذي جعل تشارلز مورو رئيس شركة ” تضافر – تقليص- تدوير – إعادة استعمال” يحاول إقناع الحكومة الكندية والحكومة المحلية بكيبيك منذ عشر سنوات باستخدام جزء من نفايات كندا لإنتاج الطاقة، ويضيف تشارلز مورو: “من الواضح أنه في الوقت الحالي لا نملك المقومات الاساسية لاستقبال جميع المواد القابلة لإعادة التدوير في إقليم كيبيك، لذا فنحن نقدم الخبرة و الحلول دائما لجميع المواد التي لا يمكن العثور عليها لإعادة التدوير “، وتخطط الشركة لإنجاز أول مصنع لها بكندا لتحويل النفايات إلى وقود بديل “غاز حيوي” في غضون العامين المقبلين، هذا المشروع الخاص يعتمد على تقنيات علمية جد متطورة حيث تتواصل المناقشات مع العديد من المتدخلين والشركاء لضبط آليات التنسيق الإقليمية من أجل إنشاء المصنع التحويلي للطاقة، “نحرق المواد التي تم تجميعها، ثم نحول هذه المواد إلى طاقة ومنتجات ثانوية تشكل المادة الخام” يختم تشارلز مورو.
بلدان متقدمة تستفيد من التجربة الكندية
وقد اتخذت عدة دول مثل السويد واليابان والنرويج نفس المنعطف نحو الانتقال الطاقي وانتاج الوقود الحيوي من النفايات، حيث يشير الخبراء في دولة اليابان إلى أن ثلاثة أطنان من النفايات تساوي طنا واحدا من الوقود الحيوي، وتستخدم اليابان بالفعل التكنولوجيا التي تقدمها شركة ” تضافر – تقليص- تدوير – إعادة استعمال” الكندية و تاكد ذلك بعدما زار العديد من المسؤولين والمنتخبين في اقليم كيبيك لمصنع تشيبا الياباني والمتخصص في انتاج الوقود الحيوي.

1٪ فقط من النفايات ينتهي بها المطاف في مطارح النفايات في السويد، حيث يستعيد السويديون 49٪ من المواد القابلة لإعادة التدوير من خلال الفرز الانتقائي على أساس مشاركة المواطنين، على أساس ان الباقي يحترق من أجل الطاقة.
و كانت الوزارة الوصية على قطاع البيئة بالمغرب قد حاولت نهج نفس فلسلفة الفرز الانتقائي للنفايات من المنبع عبر إشراك الساكنة من خلال مشروع الانتاج المشترك للنظافة منذ عام 2014 خصصت له مبالغ مالية مهمة عبر انتقاء مجموعة من الاحياء بالمدن الكبرى كطنجة وفاس والبيضاء، مشروع نموذجي كان بإمكانه أن يعطي نتائج جيدة تتماشى والبرنامج الوطني للنفايات المنزلية و لكن للأسف لم يحصد منه المغرب سوى الأرقام حيث عوض فرز النفايات وفق نوعيتها البلاستيك و الورق والمواد المعدنية، كان يتم تجميع مخلفات الخبز و العجائن.
أما في السويد فيعتبر المشروع نموذجا لعمل مربح حيث يتعين على السويد استيراد النفايات من البلدان المجاورة وبشكل أساسي المملكة المتحدة والنرويج لتلبية الطلب، حيث يؤكد الخبراء مع ذلك أن إعادة التدوير أفضل بكثير من التحويل إلى طاقة، “إذا نجحنا في فرز أو فصل كل الورق والبلاستيك من المصدر فلن نحتاج إلى أنظمة تقوم باستعادة الطاقة، نحن بحاجة إلى إعادة تدوير هذه المواد أكثر مما نحتاجه لإنتاج الطاقة” كما يقول كاريل مينارد ، المدير العام لمؤسسة الجبهة المشتركة الكيبيكية لإدارة النفايات البيئية، في حين يعتقد نورماند موسو الأستاذ في جامعة مونتريال والمدير الأكاديمي لمعهد تروتييه للطاقة: “نريد تقليل استهلاكنا للموارد ونريد أن نكون قادرين على إعادة استخدامها قدر الإمكان؛ وهنا تكمن المشكلة في الاحتراق ولهذا السبب توجد معارضة كافية هنا” فبالنسبة له تعمل وفرة الطاقة الكهرومائية في كيبيك ضد تطوير قطاع الطاقة المرتبط بالنفايات، و يضيف نورماند موسو: “لدينا مثل هذه الميزة من وجهة نظر الطاقة النظيفة بحيث يصبح من الصعب تبريرها من وجهة نظر الطاقة، ومن ناحية أخرى عندما تنظر إلى التكاليف وعندما تنظر إلى الخيارات يجب ألا تضع ذلك جانبا تماما.”
بالنسبة لتشارلز مورو لا يتعلق الأمر بالتنافس مع الطاقة الكهرومائية بل يتعلق بتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، حيث هناك 30 أو 35٪ من الطاقة الكهرومائية لكن عنصر الطاقة الآخر هو أحفوري إلى حد كبير، فنحن نتحدث عن الطاقة البديلة للوقود الأحفوري.
ومع ذلك يعترف العديد من الخبراء بأن نظام الاسترداد الحالي حيث يتم نقل كل شيء مختلطا معيب جدا وفي بعض الأحيان يعمل فقط على زيادة الوعي بين السكان فقط، حيث يتم إنفاق أكثر من 80٪ من تكاليف الاسترداد على النقل، وينتهي الأمر بالعديد من المواد القابلة لإعادة التدوير في مطارح النفايات لأنها لا تجد مكانا لها في السوق بسبب التلوث الشديد.
“هذا هو الشيء الذي يثبط عزيمة العديد من المواطنين الذين يقوم عليهم النظام بأكمله، فالمشاكل هيكلية، في رأينا يجب مراجعة كل شيء عمليا في سلسلة الاسترداد بأكملها في كيبيك، حتى على مستوى المنتجين والتعبئة” يعترف كاريل مينار الذي يود أن يتم تقاسم المسؤولية بشكل أكبر بين جميع الفاعلين و المتدخلين و الشركاء.
تصدير المنتجات المستعادة من النفايات ليس حلا بيئيا للغاية أيضا بسبب مسافات النقل، بالإضافة إلى ذلك غالبا ما يتم حرق المواد المشحونة لتوليد الكهرباء: “إذا لم يكن من الممكن استخدامها لمصانع الورق لدينا فلا يمكن استخدامها على الجانب الآخر من المحيط” كما يعتقد تشارلز مورو.
تحويل النفايات إلى وقود بالبيرطا الكندية
يعد مركز تحويل النفايات إلى الوقود الحيوي والكيماويات في إدمونتون باقليم ألبيرطا أول منشأة من نوعها لتحويل النفايات إلى وقود حيوي على نطاق تجاري وهو مصمم لتحويل النفايات المنزلية إلى وقود حيوي متجدد ومواد كيميائية، وتم بناء هذا المركز وامتلاكه وتشغيله باستخدام التكنولوجيا المملوكة لشركة إنيركم، وتهدف إلى تحويل 100000 طن من النفايات الصلبة البلدية إلى 38 مليون لتر من الوقود الحيوي سنويا لمساعدة ألبرتا على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري حيث يمكن للوقود الحيوي القائم على النفايات أن يقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة بأكثر من 60٪ مقارنة بإنتاج الوقود الأحفوري ومطارح النفايات، وتعتبر المواد الخام المستخدمة في إنتاج الوقود الحيوي هي النفايات الصلبة التي لا يمكن إعادة تدويرها أو تحويلها إلى سماد.
وبعد إنتاج الميثانول في البداية فقط أقام المصنع عملية جديدة لإنتاج الإيثانول في عام 2017 وكان الهدف من إنتاج الميثانول ثم الإيثانول له مزايا بيئية واقتصادية، ويعد تركيب النفايات في الوقود الحيوي جزءا من مبادرة أكبر بين شركة إينيركم ومدينة إدمونتون حيث تتضمن مبادرة تحويل النفايات إلى وقود حيوي أيضا مركزا لإعداد النفايات ومرفقا متقدما لأبحاث الطاقة حيث سيساعد استخدام النفايات كمصدر للوقود في تقليل انبعاثات غازات الدفيئة وتقليل الحاجة إلى المحاصيل الغذائية كمواد وسيطة للإيثانول ومساعدة ألبيرطا في ريادة الطريق في إنتاج الوقود الحيوي المتقدم.
تقنيات استخراج الطاقة البديلة
يعتبر حرق المواد العضوية لاستخراج الطاقة من أهم التقنيات لانتاج الطاقة البديلة عبر حرق المواد العضوية مع “استرجاع الطاقة”، بمعنى أن الطاقة التي صرفت في البداية في عملية الحرق والترميد تسترجع من خلال الحرارة الناتجة من عملية استكمال حرق المادة العضوية، لتستخدم لاحقا في إنتاج الكهرباء، ويُعد هذا التطبيق الأكثر شيوعاً، لكنه يستلزم تطبيق معايير صارمة لمراقبة الانبعاثات السامة و الخطيرة على الغلاف الجوي، عبر قياس درجة انبعاث غازات أوكسيد النيتروجين، وثاني أوكسيد الكبريت، والمعادن الثقيلة كالرصاص و الارسنيك فضلا عن الديوكسينات، وهي مجموعة من المواد الكيميائية الخطرة تعرف بالملوثات العضوية الثابتة، وتثير هذه المواد قلقا عالميا بسبب قدرتها العالية على إحداث التسمم إذا ما تسربت إلى عناصر البيئة.
ويم إنتاج الوقود السائل عبر ما يسمى بالانحلال الحراري أو التكسير الحراري لمنتجات البلاستيك عبر تعريضها لحرارة وضغط عاليين في غياب الأوكسيجين، فتتكسر منتجة سوائل شبيهة بالوقود البترولي، ويمكنها أن تكون بديلا ممتازا له.
ويمكن الاستفادة من الطاقة الضائعة في محارق النفايات في توفير الحرارة اللازمة للتكسير الحراري لمواد البلاستيك، كما يتم تطبيق تقنيات التكسير الحراري في إنتاج الفحم والوقود السائل والغاز من النفايات العضوية. و خير مثال على ذلك منشأة إدمونتون في اقليم ألبيرطا الكندي لتحويل الإيثانول إلى طاقة، المغذى بالوقود الصلب المستعاد، وكذا مصنع تحويل الإيثانول إلى طاقة بولاية مسيسيبي الأمريكية.
و يتم تغويز البلازما عبر تحويل النفايات إلى طاقة انطلاقا من الحالة السائلة أو الصلبة إلى الحالة الغازية مباشرة، و تتم هذه العملية عبرمعالجة النفايات العضوية وغير العضوية بواسطة مفاعل يستخدم موقد بلازما قوي لرفع درجة حرارة النفايات لتصل إلى آلاف الدرجات، وتؤدّي هذه الحرارة الرهيبة إلى تكسير الروابط الكيميائية بين العناصر وتحويل كامل كمية النفايات المعالجة، بما فيها الخطرة بيئيا إلى غازات، وتُقسّمها إلى عناصرها الأساسية، هذه الطريقة التي تتميز بعدم إنتاج الرماد الذي يعد مشكلة أساسية في المحارق التقليدية، كما أن مردود الطاقة من هذه العملية عال جدا مقارنة بتقنية الحرق المباشر.
وتتصدر اليابان حاليا دول العالم في نسبة النفايات التي تحولها إلى طاقة من مجموع النفايات الصادرة عن مدنها، كما أن حرق النفايات الصلبة في عدة مناطق بالمملكة المتحدة يستغل لغرض إنتاج طاقة حرارية لأبنية متعددة الطوابق وبعض الأبنية العامة، بما في ذلك المخازن التي يمتلكها أناس عاديون.
وهناك مشاريع ريادية في كثير من الدول الأوروبية والصين والبرازيل في محاولة لتخفيف الضغط عن مكبات النفايات الصحية، ولتوفير جزء من الطاقة اللازمة لتلك الدول.
وعلى المستوى العالمي، واستنادا إلى الاتحاد الدولي للنفايات الصلبة، يوجد أكثر من 100 معمل لتحويل النفايات إلى طاقة في الولايات المتحدة، وأكثر من 500 في أوروبا وأكثر من 400 في اليابان، وتخطط كل هذه الدول حاليا لتطوير اعتمادها على طاقة النفايات كما ونوعا، وهو ما يجعل هذا المصدر المتجدد للطاقة ثالث أنواع الطاقة المتجددة من حيث النمو والإسهام في إنتاج الطاقة.
هل يمكن للوقود البديل أن يحل أزمة الطاقة
ظل الصراع و التأثير السلبي بين الصناعة والبيئة لسنوات و عقود قبل أن يبدأ في الظهور مفهوم “التنمية المستدامة”، والذي رسخ لنظرية جديدة تقوم على احترام البيئة والموارد الطبيعية من أجل صناعة أكثر استدامة تدعم مفاهيم الاقتصاد الأخضر، ويعتبر استخدام النفايات وقودا بديلا في مصانع الأسمنت أحد النماذج التطبيقية لهذه النظرية العلمية، حيث تعد صناعة الأسمنت من أكثر الصناعات شراهة في استهلاك الطاقة، إذ إن إنتاج طن أسمنت واحد يستلزم حرق 100 كيلوغرام من الوقود الأحفوري: فحم حجري، غازوال، غاز طبيعي مما ينتج عنه حوالي 650 كيلوغرام من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون الغاز الرئيسي المسبب للاحتباس الحراري.
ألمانيا و بولونيا تجارب ناجحة
و مع مرور السنوات و الأعوام بدأ التفكير في بدائل للوقود الأحفوري في مصانع الأسمنت، وكان الحل الأمثل هو النفايات الصلبة في أفران الأسمنت بهدف إنتاج الطاقة اللازمة للصناعة، ونتيجة للجهود المبذولة دوليا انخفضت نسبة الاعتماد على الطاقات الملوثة في مصانع الأسمنت بشكل كبير و أصبح الوقود البديل و المستخرج من النفايات واسعة الانتشار في دول الاتحاد الأوروبي و تعتبر اليونان وبولونيا وألمانيا، أقوى الدول الاوروبية استعمالا للوقود البديل، فالحكومات تلعب دورا رئيسيا في مدى نجاح عملية التوجه إلى الوقود البديل عن طريق تهيئة المناخ المناسب من خلال وضع التشريعات اللازمة، بالإضافة إلى الاختيار الصحيح للمنظومة التي تدار بها النفايات.
إن بولندا وألمانيا مثلا تتمتعان بمناخ عام يدفع عمليات التحول نحو الوقود البديل في مصانع الأسمنت إلى الأمام، فبولندا تعتمد على طاقة النفايات بنسبة (45%) أما في ألمانيا فالنسبة تبلغ (62%)، ومن المتوقع أن تصل إلى (80%) بحلول عام 2020، في حين أن عدم رغبة الحكومة اليونانية في ضخ استثمارات لتحسين إدارة النفايات يقف عائقا أمام استخدام طاقة النفايات، فنجد أن استخدامها لا يتعدى 7%، علما بأن متوسط استخدام تلك الطاقة يبلغ في المتوسط حوالي 36% في الاتحاد الأوروبي، ومن الناحية التقنية، أكد التقرير أن الاتحاد الأوروبي يستطيع رفع نسبة استخدام طاقة النفايات في مصانع الأسمنت من 36% إلى 95%، مما سيقلل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 41 ميغا-طن سنويا.
وكانت جامعة كوينزلاند الأسترالية قد أصدرت تقريرا عام 2013 يوضح أن معظم الدول الأوروبية في حينها كانت قد أحرزت تقدما كبيرا في إحلال طاقات بديلة محل الطاقة التقليدية، ففي بلد مثل هولندا بلغت نسبة استخدام الطاقة البديلة 83%، مقابل 47,8% في سويسرا، و35% في النمسا، و34,1% في فرنسا، وحتى تصل هذه الدول إلى مثل هذا الإنجاز، قطعت شوطا كبيرا في مجال إنتاج الطاقة البديلة من النفايات الصناعية والمنزلية والزراعية، ففي أوروبا واليابان، تكونت شبكات واسعة لجمع النفايات وتدويرها أو تجهيزها لتصلح كوقود بديل، ومما لا شك فيه أن عمليات إعادة التدوير تحقق عائدا اقتصاديا كبيرا، كما تسمح بحماية البيئة عن طريق التخلص النهائي من النفايات.
أما في الدول النامية، فلا تزال جهود التحول للوقود البديل غاية في التواضع، فعلى سبيل المثال تعتبر ثروة المغرب من النفايات ضخمة جدا، ولكنها للأسف لا تستغل على الوجه الأمثل، حيث يبلغ حجم النفايات المستخدمة في إنتاج الوقود البديل في المغرب كميات جد هامة ويرى منتجو الأسمنت أنه لا توجد رؤية علي المدى الطويل في المغرب للتحول للطاقة البديلة، مدللين على ذلك بأن الحكومة ظلت لسنوات طويلة تدعم الوقود التقليدي.
إن المشكلة في المغرب حاليا هي الوصول للمواصفات القياسية للنفايات حتى يتم تلبية احتياجات شركات الإسمنت، فالمخلفات عادة ما تكون مخلوطة بمواد سامة أو خطيرة على صحة الانسان، مما يقلل من قيمتها الحرارية.
وأخيرا، ما زال المغرب في بداية الطريق الطويل لتحويل النفايات إلى طاقة، والمطلوب للمضي قدما في هذا الاتجاه هو المزيد من الجهد لتشجيع عملية التحول، فالمشكلة ليست في غياب القوانين والاستثمارات فحسب، ولكنها في عدم وجود رؤية وآلية للدفع بعملية التحول إلى آفاق جديدة عوض الهروب الى الامام و استغلال ظرفية تاريخية لجائحة كورونا لتمرير مراسيم تطبيقية و نشرها بسرعة الضوء على الجريدة الرسمية فما أحوجنا إلى هذه السرعة في إخراج مراسيم و قوانين في ميادين اجتماعية وفي الوظيفة العمومية و في الصحة و التعليم مراسيم و قوانين تنتظر سنين و اعوام لترى النور.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*