قارئة الفنجان… في مجال التعليم العالي

 

قارئة الفنجان في مجال التعليم العالي (تتمة 2/2

الدكتور عبدالكبير بلاوشو
كلية العلوم جامعة محمد الخامس الرباط

عندما تكثر الأحداث القهرية والظواهر الفوق/طبيعية والتي تتعدى حدود العقل البشري بقدراته الفكرية وخريطته المعرفية وإمكاناته العلمية تبرز في الواجهة وتطفو على السطح شخصية العرافة (التي تحيلنا إلى دور الشوافة في ثقافتنا الشعبية) مع ما يحمله عقل العرافة من ركام الخرافة وثقافة المجازفة وتوظيف عنق الزرافة للإطلالة على عالم الغيب و قراءة الأفق وما هو آت من مصائب ومكاسب ومناصب.

هذا حال الواقع والمستقبل الجامعي مع قارئة الفنجان ومسلكيات التحدي السافر للنصوص والمساطر والإختصاصات لصالح العرافات وسياسة الخرافات.

خير مثال على ذالك كيفية تركيبة اللجن المكلفة بدراسة ملفات الترشيحات لرئاسة المؤسسات والجامعات استجابة لمخرجات تقرير قارئة الفنجان الجامعي.

وحتى إذا سلمنا بالهندسة الإستباقية لهذه اللجن فإننا قد نزداد غرابة أمام غياب أي دليل مرجعي أو أدوات علمية تساعد في عملية التقييم خاصة إذا علمنا أن الجامعة مؤسسة ليست كغيرها فعلى عاتقها تقع مسؤولية بناء الإنسان وصناعة المحيط والاستجابة لمتطلبات الإرتقاء والإرتفاع واستزراع التفكير والتخطيط الإستراتيجي وتحقيق الجودة في الأداء وإعطاء النموذج في التميز الإداري وتكريس ثقافة التعاقد والشراكة والقبول بالمحاسبة والمساءلة.

لكن للأسف الشديد المقاربة التي يراد بها صناعة رؤساء الجامعات وعمداء المؤسسات لا تعدو كونها مسرحية جامعية بإخراج شبه ديمقراطي يخلو من أي بعد أكاديمي أو أخلاقي علما أن بعض المشاريع السابقة كانت مستنسخة وحظي أصحابها باعتلاء الكراسي الجامعية كرؤساء وعمداء ومدراء لمدة ثماني سنوات بدون حسيب أو رقيب و برواتب شهرية ينبغي أن تطرح للمراجعة بكل جرأة في إطار خطة استعجالية لتقويم الأجور وإعطاء معنى لكل كرسي واستحقاق لأن طموحاتنا وتطلعاتنا في التغيير والنهوض تسقط يوميا بشكل عبثي وبأيادي غير مسؤولة تحركها الرغبة الجامحة في الحصول على مواقع بعيدة عن الواقع و بمكاسب وامتيازات خيالية.
أمام كل إستحقاق وكسابقه كنا نتمنى بأن ينفتح الوضع الجامعي على مستجدات و تصحيح مسارات والقطع مع أساليب وممارسات في اتجاه تكريس المنظور القيمي لهذا الإستحقاق وليس الإنتقال التهافتي من كرسي/خشبي إلى كرسي/فولاذي مما يؤكد وجود قدر كبير من التباين و التضارب وفجوة عميقة في رؤى الأشياء وتدبير السياسات والمؤسسات.

لتتضح خبايا الأمور في علاقتها بعدم احترام القواعد والمبادئ والإحتكام إلى الكفاءة وإلى الديمقراطية كمعيار للأهلية والأحقية بل أن الشأن الجامعي أصبح مرتبطا بشكل عضوي وشبكي بثقافة الإجهاز على الكفاءات واحتكار المواقع والأدوار.
والغريب في الأمر أن القضية موضوع النقاش تشكل معادلة يتجلى فيها حرف الميم نسبة إلى مسرحية الميم: موقع، مهمة، مرشح، مشروع، مسائلة، مداولة، مسؤول ممنون في مقابل مرشح مغضوب عليه، وأخيرا مكلف بالمهمة. فالمشروع (من منظور أكاديمي) يحدده جهاز مفاهيمي وتؤطره آليات للتنزيل ومن أجل دراسته يفترض تكوين لجنة خبراء تمتلك مؤهلات ومهارات في التحليل المنظوماتي ولها القدرة على تفكيك بنية المشروع ودراسة عناصره وفق معايير ومؤشرات محددة والإجابة عن أسئلة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
• سؤال الكفاءة في التسيير الإداري والمالي للمؤسسات الجامعية وتدبير الموارد البشرية أمام تحديات التحول ومحدودية البديل الإجرائي وضعف آليات التنفيذ.
• سؤال المحتوى الذي ينبغي أن يخضع لمقياس الواقعية والقابلية للتنفيذ والتطابق مع عناوين الميثاق وكيفية البحث عن الموارد الذاتية لمواكبة المشروع وخضوع هذا الأخير إلى عملية التقييم وتقديم الحصيلة السنوية في شقها الإداري والمالي و التربوي للرأي العام الوطني وللجهات المختصة.
• سؤال الوقوف عند النسبة المرتقبة لنجاح المشروع بعيدا عن الخيال وقريبا من الواقع.
• سؤال منظومة الإصلاح وآفاق خطته الإختزالية والإستعجالية وبوصلته الغير الثابتة الإتجاه والسريعة التذبذب مما يوحي بوجود خلل في عملية الهندسة والتخطيط والبناء.
• سؤال الدقة في التصور و الوضوح في منهجية الإعمال. . . .إلخ
أمام هذه الأسئلة الغير متناهية نتسائل لماذا تفشل مشاريعنا، تلغى أو تجهض؟؟؟ حتما لأننا نعجز عن الجواب عن: كيف نعمل و ماذا نفعل؟ أو ربما لا نطرح هذه الأسئلة بتاتا! أما الحديث عن قيادة المشاريع والإصلاحات فلا تسأل فهي فن ومهارة وأداة فعالة من أدوات التدبير الاستراتيجي تقتضي كفاءات علائقية و تدبيرا مهيكلا و تعريفا للأدوار التي يجب القيام بها تحقيقا للأهداف المرسومة.

من قلب هذه المنظومة فإن للمشروع دورة حياة تتكون من مجموعة مراحل أهمها مرحلة التحديد ومرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ والإنجاز ومرحلة التقييم كما أن للمشروع وثيقة تشمل من باب الإختصار:
مخطط العمل والذي يتضمن الأنشطة المتوقعة في إطار المشروع ضمن تراتبية ومجال زمني وتسلسل واقعي ومنطقي، وعموما فإن مخطط العمل يقدم على شكل جدول تسطر فيه: الأنشطة والبرامج التي سيتم القيام بها حسب نظام محدد؛ الوسائل الضرورية لتحقيقها ضمن خطط عمل واضحة وواقعية؛ مع تحديد المسؤوليات عن عملية الإنجاز والإلتزام بقبول المسائلة والتقييم تتبع المشروع، فالمرشح مدعو لتحليل كيفية القيام بعمليات التتبع؟ ومن هي الأجهزة التي ستكون مسؤولة عن ذلك ( عددها وتكويناتها) ؟ ثم ما هي العلاقات التي تجمع بين مختلف الشركاء والأطراف المعنية من أجل تنفيذ وتتبع ومراقبة إنجاز الأعمال ؟
جدوى وديمومة المشروع : كل مشروع يجب أن يبين جدوى الحلول المطروحة ودوامها من الناحية التقنية والمالية والمؤسساتية والمخاطر المرتقبة و البدائل والسيناريوهات من أجل المعالجة والتجاوز.
تقييم المشـروع : في هذا الفرع يجب على المرشح أن يفسر ضرورة إنجاز تقييم الأنشطة والأعمال التي ينوي القيام بها. ويجب شرح النتائج المتوقعة من خلال المؤشرات الموضوعة في مرحلة المشروع ميزانية المشـروع : يتعلق الأمر بتقديم الوسائل والموارد الضرورية لإنجاز الأنشطة المتوقعة في إطار المشروع، إذ يجب ترجمة هذه الأنشطة بشكل رقمي لمعرفة التقدير الإجمالي للمشروع.

ويجب تهوية أعمدة الميزانية على أقصى حد للحصول على ميزانية مفصلة وواضحة.

ويجب تثمين كافة إسهامات الشركاء والتعاقدات. والإلتزام بالتدقيق والمحاسبة وتقديم القوائم التركيبية.
بناءا على ما تقدم فإن مشروع رئاسة الجامعات أو المؤسسات (أو أي مشروع لإصلاح المنظومات) لا ينبغي أن يكون مشروعا عبثيا وﺇنما هو ﺇطار مخطط و هدف استراتيجي ورؤية و رسالة واضحة يحمل عناوين متعددة لا ينبغي حشره بمفاهيم شخصية تطلعية أو اعتبارات سياسية ضيقة.

من هنا يبرز دور اللجن كمحدد أساسي في طبيعة الإختيارات و مصداقية القرارات وإنطلاق الخطوات الأولى للتصحيح.

في الختام وللأسف الشديد فإن مسلسل الاستخفاف والاستهتار الذي يراد تكريسه من خلال فبركة اللجن لا يجوز الصيام عنه مخافة الإفطار على لائحة رؤساء وعمداء ومدراء من الوزن الخفيف، همهم الوحيد تمرير مخططات إيديولوجية و مشاريع شخصية بعيدة كل البعد عن الخبرة و الاستشارة المهنية و الوطنية الحقيقية بما يخدم مصالح الجامعة و المجتمع. و أمام هذا الإستدلال حفظكم الله من التوقعات الخرافية للعرافة الجامعية ومن التداعيات الصحية لفيروس كورونا.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*