الأمن الحدودي

عبد السلام المساوي

لكي يتحقق للدولة أمنها واستقرارها الداخلي يجب الادراك ؛ أن أمنها الداخلي يبدأ من حدودها الدولية والبرية ، ما يستدعي ايجاد الحلول المبنية على استراتيجية أمنية شاملة للدولة يندرج ضمنها أمن حدودها البحرية والبرية ، وتحصينها من أن تخترق من قبل المهربين والمتسللين الذين قد تندس بينهم الجماعات الإرهابية ، وعصابات الجريمة المنظمة التي تمارس تهريب وتجارة المخدرات والأسلحة والمتفجرات ، وتدعم الأعمال الإرهابية ، التي تسعى إلى زعزعة الأمن والاستقرار الداخلي للدولة .
لقد اصبح العالم وفي ظل نظريات العولمة وسياسات الاقتصاد المفتوح يواجه تحديات كبيرة وخطيرة تستدعي تكثيف الجهود والتعاون الدولي لمواجهة ما قد ينتج عن هذه العمليات من تجارة غير مشروعة ، جريمة دولية ، ومحاولات لنقل تكنولوجيا الدمار الشامل وتسويق الارهاب من دولة إلى أخرى هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فإن العالم وفي ظل التغيرات العالمية يواجه تحديا اخر يتمثل في ضرورة تسهيل حركة انسياب التجارة وعبور المسافرين وتشجيع السياحة والاستثمار بين مختلف الدول .
وتعرف الحدود تقليديا بأنها الخط الذي يفصل اقليم الدولة عن أقاليم الدول الأخرى ، والذي تمارس الدولة سيادتها ضمن نطاقه ، بما يتضمنه من أرض وسكان وموارد ، ويمثل تأمينه حماية لتلك المقدرات ، وعادة ما تتعامل الدول مع مسألة أمن الحدود على أنها قضية أمن قومي ، فالحدود هي خط الدفاع الأول عن الدولة ، على نحو ما تشير اليه تعبيرات ” الحدود المصونة ” او الحدود الآمنة او ” الخطوط الحمراء ” التي تتردد بنبرة حاسمة في التصريحات الرسمية ، خلال حالات الطوارئ او فترات الازمات ، التي تمس حدود الدولة ، فلا تريد اي دولة ان تترك مجالا للشك بشأن قدرتها او ارادتها ، فيما يتعلق بأمن الحدود .
ان المنافذ الحدودية بين اي دولتين في الوقت الحاضر اخذت تشكل اما مصدر جذب او إعاقة للاستثمار والاقتصاد والانفتاح نحو العالم .
من أهم المخاطر المتوقعة في المنافذ الحدودية والتي يجب التركيز على ايجاد الوسائل الملائمة والحديثة للكشف عنها وضبطها صونا لأمن أي دولة من الدول ، هذه المخاطر يمكن ايجازها بما يلي ؛
التسلل أو تهريب الأشخاص.
تهريب الأسلحة والمتفجرات .
محاولة الدخول بوثائق مزورة .
تهريب أموال مزيفة تهريب مركبات مسروقة…
تهريب بضائع مختلفة ( التهريب الجمركي )
لا شك في أن المحافظة على الأمن في المناطق الحدودية ، مسألة تأخذ الأولوية المطلقة في كل الدول لما في ذلك من امكانية المساس بالنظام العام داخل الدول ، بل امكانية تطور الاوضاع الى ما لا تحمد عقباه . ومما يزيد في تعقيد الوضعية هو طول هذه الحدود التي قد تحسب بعشرات وحتى بمئات الكيلومترات ؛ فتصبح الامكانيات البشرية والمادية هي العامل الحاسم في المحافظة على الأمن في هذه المناطق .
ان جهة الشرق ، هي جهة حدودية بامتياز ، تتنوع فيها الحدود بين ما هو ” طبيعي ” ( مع الجزائر ) وما هو اصطناعي ( مع اسبانيا ) ، وهو ما يفرض تعاملا مزدوجا من قبل المغرب .

ومما يدفع في اتجاه ضرورة الاعتماد على سياسة أمنية متكاملة بالجهة هو المسافة الشاسعة الممتدة بين السعيدية شمالا وفكيك جنوبا .

انها مسافة تصل الى ما يفوق 300 كلم من جهة ، وتتنوع مجالاتها من جهة أخرى ؛ فهناك مدن حدودية ، وقرى حدودية ، ومناطق خالية ، وأخرى خاصة بالرحل …
ان هذا التنوع يفرض بدوره طرح سؤال عن الجهة التي يؤول اليها حراسة الحدود ، ومتابعة الأوضاع بهذه المناطق؛ فلا شك في أن الجيش هو عماد هذه الأجهزة فيما يتعلق بعملية الحراسة ؛ لكن الذي يهمنا هنا هو متابعة الأوضاع الأمنية .

فالحدود هي في الواقع تخطيط متفق عليه بين دولتين ، وليس فيه لسكان المناطق المعنية اية كلمة في الموضوع ، لذلك فالتداخلات بين سكان هذه المناطق مسألة عادية ، فهناك الروابط القبلية التي لعب الاستعمار دورا رئيسيا في تقسيمها ، وهناك الروابط العائلية نتيجة المصاهرة والهجرة ، ثم هناك المصالح التجارية الناتجة عن عمليات التهريب في حدوده البسيطة …
ان هذا التداخل يؤدي في بعض الحالات ، الى نشوب بعض النزاعات ؛ فمسألة سرقة قطيع من الأغنام مثلا ، أو الاعتداء على منتوج فلاحي …تقع في كل المجتمعات ، الا أنها تأخذ بعدا أكبر في المناطق الحدودية …
واذا أضفنا الى ذلك المشاكل الجديدة من قبيل احتراف التهريب ، الهجرة السرية ، والعمليات الارهابية ، فان الموضوع لا بد ان يأخذ بعدا اخر ، وتصبح جميع أجهزة الدولة معنية بالموضوع ؛ الجيش ، الدرك ، الشرطة …
فلنلاحظ ، اذن ، كيف ان المشاكل المشتركة في كل المناطق الحدودية بالعالم ، يمكن التحكم فيها بسهولة ؛ لكن الأوضاع الدولية الجديدة ، تفرض تعاملا من نوع خاص ؛ فكيف يمكن ” محاربة ” الهجرة السرية أو حل القضايا المتعلقة بتهريب السلاح او تسلل الارهاب او تهريب المخدرات …اذا لم يكن هناك تعاون مطلق بين الدولتين المتجاورتين ؛ وهذا هو بيت القصيد هنا.

ان المحافظة على الأمن الحدودي ، مسألة سهلة عند تعاون الطرفين المعنيين ، لكنها تصبح عملية صعبة حينما ينبغي أن يعمل كل طرف على حدة ويعتمد على مصادره وامكانياته فقط …
ان التعامل مع الهجرة السرية مثلا ، لا يمكن أن يكون فعالا اذا تم من طرف واحد ، بل انه لا يعطي اية نتيجة .

فالأفارقة الذين يتخذون الجزائر والمغرب معبرا نحو أوربا لا يمكن الا ” تقاذفهم ” بين دولة ترغب في التخلص منهم وأخرى لا تسمح لهم بالاقامة غير المشروعة ؛ بينما اوربا كلها ترى أن الدولتين معا لا تقومان بما هو مطلوب من أجل التصدي لهذه الظاهرة..
لكل ما سبق ، يمكنني القول على أن الامن الحدودي ، مسألة مركبة تحتاج الى طرفين متعاونين ، وفي حالة تعذر ذلك ، الاعتماد على تعمير المناطق الحدودية من خلال تطوير المدن والقرى .
ان الملاحظ هو ان بعض المناوشات التي تقع بالمناطق الحدودية تكون في المناطق غير الاهلة بالسكان او كثافتها السكانية ضعيفة جدا . وبالتالي لا يمكن تصور وقوع اية حوادث بالمناطق الاهلة بالسكان ، نظرا لقابلية النزاع للتوسع حتى يصبح نزاعا بين الدولتين بدل نزاع بين الرعايا ، او حتى تصرف انفرادي لأحد الجنود…
ان المواطن هنا ، هو عماد المحافظة على الامن ، وتبقى مسألة تدخل الأجهزة الرسمية مرتبطة فقط بالمراكز الحدودية الرسمية .
وعلى هذا الأساس فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية كفيلة بتحويل المناطق الحدودية من مناطق نزاع وحراسة متبادلة بين أجهزة متعددة ، الى مناطق للتعاون المشترك .
تذكير ببعض المعطيات ؛
خلال فترة حكومة التناوب ، اشرفت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والبيئة والاسكان ، على حوار شامل حول مختلف المشاكل التي تعيشها مختلف الجهات من أجل بلورة الميثاق الوطني لإعداد التراب .

وقد اسند إلى الجهة آنذاك اربع محاور : استبدال نمط الانتاج المنجمي ، السياحة الاستجمامية ، العقار كأساس للتنمية ، ثم المبادلات التجارية في إطار اتحاد المغرب العربي .
وقد توجت هذه الأوراش المهنية بمنتدى جهوي تم خلاله التركيز على موضوع الاقتصاد الحدودي .
والملاحظ هنا ، هو أنه خلال كل هذه الأشغال التي شاركت فيها فعاليات متعددة ومتنوعة من كل الجهة الشرقية تبلورت بعض المبادئ التي أصبح الحديث عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية بدونها ليس له معنى.
وبالموازاة مع ذلك ، فإن اشغال مخطط تنمية وتهيئة الجهة الشرقية قد تقدمت بشكل ملحوظ ، وتجاوزت مرحلة التشخيص والمرحلة التحليلية الى مرحلة توطين المشاريع .
ومن خلال هذين الأسلوبين في العمل ، استطاعت الحكومة آنذاك أن تفتح أوراشا مهمة شارك فيها أبناء.الجهة الشرقية بأنفسهم .

ان الخلاصات الرئيسية تمثلت فيما يلي :
لا يمكن الحديث عن أية تنمية حقيقية دون بنية تحتية حقيقية تعتمد على ما يلي :
_ الطريق السيار وجدة _ الناظور .
_ السكة الحديدية تاوريرت _ الناظور .
_ تدعيم ميناء الناظور .
_ التخطيط السياحة استجمامية بالسعيدية.
_ تجهيز منطقة صناعية بأبركان .
_ الطريق السيار وجدة _ فاس .
_ الطريق الساحلي الشمالي .
ان التنمية الحقيقية هي تلك التي تكون متلائمة مع الامكانيات الطبيعية والبشرية للجهة : الفلاحة ، السياحة ، الصناعة المتوسطة والخفيفة ، الخدمات ….
ان المغرب عندما أختار الجهوية ، فإن اختياره لم يحدد من خلال اسباب مجالية فقط ، او اقتصادية فقط ، بل أختار الجهوية لإصلاح الدولة المغربية .

ان اصلاح الدولة المغربية من خلال البناء الجهوي ومن خلال اعتماد الجهوية هو الذي سيعزز دمقرطة الدولة المغربية .

وهو الذي يساعد على ارساء الأرضية الصلبة لتصبح الدولة المغربية في خدمة المجتمع المغربي .

فتطوير الجهة يعد مدخلا بنيويا للاصلاح السياسي العام ببلادنا .
ان بناء المغرب على أسس متقدمة يقتضي تمكين الجهة من كل أنواع السلطات لتكريس الفعل الديموقراطي ، بما فيها السلطات السياسية ، وهذا يفرض تأهيل المؤسسات الجهوية ، وهو معطى رهين بتطور البناء الديموقراطي ببلادنا .

نؤكد ضرورة انضاج الشروط التي تمكن الجهة من أن تصبح سلطة فعلية في الجوانب التي تهم الحياة العامة للمواطن اذا اردنا الاستمرار في بناء دولة الحق والقانون ، وهذا يعني إعادة توزيع السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية بالمغرب .
تاسيسا على هذا نعتبر هذا الاختيار اطارا مناسبا لجعل المواطن المغربي يشعر بقوة انتمائه محليا ، جهويا وكذلك وطنيا .
ان الجهوية ، اذن ، ستساعدنا على إعطاء محتوى ملموس للمواطنة الجديدة .
ونحن في أفق انتخابات 2021 علينا أن نأخذ بعين الاعتبار هذا الاختيار الجهوي كاختيار وكمنهجية لتنمية الجهة الشرقية . من هنا مطلوب منا ان نجعل من هذه المحطة التاريخية مناسبة لوضع مخطط تنموي يروم النهوض بالجهة . هذا المخطط التنموي الذي يجب أن ينطلق من امكانات الجهة ، وهي متنوعة بطبيعة الحال ، فهذه الجهة لها ما يكفي من الاكراهات ، لكن ، مقابل ذلك ، لها أيضا ما يكفي من الإمكانات الطبيعية والمعدنية والطاقية والبحرية والسياحية ، وقبل هذا وذاك لها ما يكفي من الحس الوطني والدسامة التاريخية ، الأمر الذي بوأها دائما مكانة خاصة في نفوس جميع المغاربة ، وأنها فضلا عن هذا كله تزخر بطاقات بشرية مشرفة .
لنا الوسائل ، لنا القدرة والإرادة السياسية متوفرة لجعل هذا المخطط التنموي المندمج في إطار تعبئة كل الفئات الاجتماعية التي تطمح إلى تعزيز موقع الجهة الشرقية .
من هنا ضرورة انخراط المواطنين في التأهيل الشامل للجهة الشرقية ، لأن الرهان على الجهة الشرقية كقطب اقتصادي تنموي مرتبط بالتأهيل السياسي لهذه الجهة ، وهذه مهمة منوطة بالقوى الحية لهذه الجهة ، بقوى الحداثة والديمقراطية .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*