المأساة

مصطفى خداري

أمستردام.

” أمي, لقد وقَّعت العقد!”
كان هذا هو أول اتصال هاتفي لأحمد بعد مراسيم الامضاء.

طبعا كانت فرحة أمه بالخبر فرحة لا مثيل لها. كانت دائما واثقة من خطواته واختياراته.

لم تر منه أية هفوة منذ صغره لحد الآن. قطع كل مراحل الدراسة الثانوية بشكل عادي. حتى مرحلة المراهقة المتقلبة لم تغير شيئا من طباعه.
لقد اصبح أحمد الآن شابا يافعا, بسمته تعكس شخصيته المرحة و تفاؤله في الحياة يجعله متميزا داخل الأسرة عن باقي اخوانه و أخواته. تقلد مناصب عدة, وهو اختيار شخصي, حتى عثر أخيرا على المهنة التي وجد فيها نفسه و ارتاح لها.
مهنة مساعد اجتماعي تناسب طباعه مائة بالمائة لأنه يحب تقديم يد المساعدة للجميع.
ما أن انتهت الأم من مكالمتها مع ابنها و وضعت سماعة الهاتف في مكانها, حتى أخذتها من جديد و شرعت في سلسلة اتصالاتها مع أفراد العائلة بالمغرب واحدا واحدا, لأخبارهم بالنبأ السعيد. لكن حديثها مع أختها الوحيدة سعاد, يختلف دائما عن باقي مكالماتها.

انه حديث خاص تفرغ فيه ما في قلبها من أفراح و هموم و تخوفات.

تحكي فيه كل تفاصيل حياتها في المهجر وحياة ابنائها و تستمع بكل بخواطرها لنصائح أختها, بل تعمل على تطبيقها أيضا.

علاقتها بأختها سعاد كانت و لازالت علاقة وطيدة تجمع بينهما.
عند عودة أحمد للبيت في المساء, استقبلته أمه باابتسامة عريضة و عناق حار.
“مبروك مرة أخرى. العُقْبَة, انشاء الله ل…..”
و قاطعها أحمد بسرعة
” أرجوك يا أمي!نفس الموضوع كل مرة!”
وتابع طريقه في اتجاه غرفة الجلوس, حيث يتواجد أبوه وعلامات الغبطة بادية على محياه. تعانقا ثم جلسا جنبا لجنب يتبادلان أطراف الحديث حول الخبر السار طبعا, و حول مستجدات الأخبار فيما يتعلق بكرونا.
” أجل! لقد أخبرت جميع أخواني واخواتي بالخبر”
هكذا كان رد أحمد على سؤال أمه, ثم أضاف:
” الله يبارك في الواتساب! كل شيئ أصبح سهلا وفي رمشة العين”.
تنهدت الأم, تنهيدة عميقة وهي تحتسي كأش الشاي الأخضر صحبة زوجها و ابنها أحمد. حملقت بنظراتها البريئة مدة طويلة في وجه ابنها .

نظراتها هاته تكن كل الحب والحنان لآخر العنقود. وفي نفس الحين تحمل هما أصبح يتزايد مع مرور الوقت. ساهت بتفكيرها بعيدا و انهمكت في ترديد آخر حديث مع أختها حول الزواج في صمت مريب.
” اغتنمي هذه الفرصة و ادخلي معه في الموضوع”
جميع أولادها الأربعة و بناتها الثلاتة تزوجوا وكونوا أسرهم في مدن متفرقة هنا في المهجر. الا أحمد!
بينما هذا الأخير كان منهمكا في الحديث مع أبيه, ظلت الأم تبحث عن مخرج من هذه المتاهة التي أضحت شغلها الشاغل. ترددت بعض الوقت, ثم قررت الغور في الموضوع.
” لقد كلمت خالتك و أخبرتها بالخبر السار” هكذا بدأت حديثها مع أحمد.
لقد فرحت غاية الفرح.

وأبلغتني بأنها تعرف عروسة جميلة, مثقفة و من عائلة طيبة. و هاهي صورتها. ويمكنك طبعا التواصل معها عبر الواتساب. خالتك مستعدة لاعداد جميع الترتيبات.
” خصك تكمل دينك أولدي!”
صمت أحمد, ولم يبح بأي لفظة. أحيانا يكون الصمت أفضل بكثير في التعبير عما يخالج القلب.
لم يكن ابوه في الحقيقة يتدخل في هذه المسالة، رغم الالحاحات و الضغوطات التي كانت تمارس عليه من طرف زوجته، أم احمد.
” لماذا لا تتكلم؟” هكذا كانت أم احمد تلتفث الى زوجها كلما عجزت في حديثها عن اقناع ابنها بالزواج.
” الا متى سيظل ابنك عازبا؟، قل شيئا, تكلم أنت أيضا”.
و فجأة, أُنقذ الأب من المأزق الذي وضع فيه.
” يْكون خير انشاء الله”
بهذه العبارة, وُفق أحمد في اخماد التوتر الذي يمكن أن يلي هذا الحديث.
على ما يبدو, بدأ أحمد ينصاع للأمر الواقع, بعد المجادلات المتكررة بينه وبين أمه حول هذا الموضوع.

الاختفاء حول ذريعة الحصول على عمل قار لم تعد كافية لتأجيل الموضوع.
بدت في الحين علامات الارتياح جلية على محيى الأم. وبسرعة فائقة ضغطت على بعض الأزرار في هاتفها. و أضافت:
” انظر صورتها. اِنها في غاية الجمال”.
شكرها أحمد ووعدها بالقيام بذلك من بعد.
هل رده هذا كان من باب الحشمة ؟
حملت الأم صينية الشاي و أعادتها الى المطبخ. في الحقيقة, أرادت الأم الاختلاء بنفسها لتبلغ أختها في المغرب بالخبر الجديد, حتى تشرع في عملها هناك. هذا مااتفقا عليه في حديثهما الأخير.
لم تقتصرالأم على الاتصال بأختها في المغرب فقط, بل أذاعت الخبر أيضا بين كل بناتها اللواتي كن في انتظار هذه اللحظة.
و كثفت الأم من اتصالاتها مع اختها في المغرب. و انتقلت هذه المكالمات الى مرحلة تانية, مرحلة التطبيق رغم بعض التحفظات التي كان يقوم بها أحمد.
” كيف يمكن أن أتزوجها بهذه السرعة و أنا لم أتعرف عليها بعد؟”
كان الرد دائما, سواء من طرف أمه أو خالته:
” توكل على الله. أنها بنت طيبة”
بعدما تحدد موعد السفر الى المغرب تحدد أيضا موعد حفل الزواج و شرع في اعداد الوثائق الرسمية للسماح للعروسة بالعيش في المهجر. وكلما اقترب موعد السفر, كلما زاد ارتباك أحمد أكثر.
لم يعد أحمد يطيق الحديث حول موضوع الزواج. غابت ابتسامته المعهودة عن وجهه. لم يعد يجالس والديه في قاعة الجلوس بعد تناول العشاء كما جرت العادة كل يوم.

أصبح يقضي أغلب أوقاته داخل غرفته. الغرفة التي ستتحول قريبا الى ” غرفة الزوجين”, ريثما يعثر على سكنى مستقلة.
عند وصول أحمد و أسرته الى المغرب كانت كل الترتيبات جاهزة للحفل. قام أولا صحبة أمه و أبيه , حسب الطقوس المعمول بها, بزيارة لأسرة العروسة. و هو أول لقاء بينهما دام بضع ساعات داخل غرفة غصت بأفراد عائلتها.
و في نهاية الأسبوع أقيم حفل العرس كما سطرت الخالة لذلك. حفل رائع في قاعة واسعة للحفلات. فرحت أم أحمد غاية الفرح بهذه الليلة. و بدت علامات الارتياح على وجهها.

أما أحمد فظل طيلة الليلة شاردا. ليس أثناء الحفل فحسب, بل حتى أثناء فترة تنقله بالسيارة التي اقتادته صحبة عروسه الى الفندق الفاخر حيث سيقضى ليلته الأولى.
هل هو شرود عادي كباقي العرسان؟
الأمر المحير أيضا هو عدم حضور أي صديق من أصدقائه لحفل زفافه هذا, رغم اِلحاح والدته المتكرر.
و كما كان متوقعا أقل أحمد وزوجته الطائرة في اليوم الموالي عائدا الى مقر سكناه في المهجر. بينما ظل باقي أفراد العائلة هناك للاستمتاع بما تبقى من أيام العطلة.
ها هو أحمد الآن وجها لوجه أمام زوجته. هذه الأخيرة التي تكتشف لأول مرة عالم الغربة. ولأول مرة تفارق أهلها في رحلة مجهولة. رغم كل هذا وذاك كانت البسمة لا تفارقها. طبعا كان حلمها كما هو حلم أغلب البنات بالعيش رفقة فارس الأحلام.
أما أحمد فلازال صمته و انطواؤه لم يتغير بعد. حتى في علاقته مع شريكة حياته.

كلما حاولت الاقتراب منه, كلما اختلق ذريعة للانفلات و الابتعاد عنها. نفوره هذا ولد شكوكا كبيرة لدى العروسة.
” ترى, هل أنا لم أعجبه؟”
” هل ندم على زواجه مني؟”
” هل هو يحب امرأة أخرى؟”
أسئلة عديدة راودتها طيلة الأسبوعين الأولين ولكنها لم تجرؤ على الخوض في الموضوع. مع أنها كانت تحس بأنه هو الآخر يكثم سرا ما.
وبعد أسبوعين من العيش لوحديهما, غريبين في غرفة واحدة, في سرير واحد. انفجر أحمد ذات ليلة و أجهش بالبكاء.
” أعذريني من فضلك. أنا لا استطيع العيش معك. أنا……”
انذعرت الزوجة, غير مصدقة ماذا يحدُث. ضمته لصدرها و حاولت تهديئه. مسحت دموعه التي لم تنقطع عن الانهمار. أسرعت للمطبخ و ناولته كوب ماء. لكن أحمد لم يهدأ بعد.
بكى أحمد, وبكى ووجهه فوق صدرها. من حين لحين تجفف دموعه بالمنديل الذي أحضرته من المطبخ.
” المشكل لا يتعلق بك أنتِ. أنا….” تابع أحمد كلامه و عيناه لا تتوقفان عن الدمعان.
” اِني مثلي الجنس. لا أستطيع أن أعيش مع امرأة”
ثم خيم الصمت من جديد.
” أنا كنت مجبرا على الزواج. ولكني لن أستطيع العيش طول عمري متظاهرا لأرضي أسرتي. أنا جد متأسف”.

وأرخى أحمد أخيرا العنان للتعبير عما يخالجه فعلا. صارحها بأنه لم يقو على مواجهة والديه في هذا الأمر.

ووعدها بأنه سيفعل ذلك. رغم ما سيلاقيه من مشاكل عويصة مع أسرته. مشاكل ربما ستكون عواقبها وخيمة.
واعدته أمل بأنها لن تفشي سره لأحد كيفما كان الحال. و ستقبل العيش معه رغم ميوله المثالي هذا, اِن هو أراد ذلك طبعا.
وبالفعل كانت ردة الفعل من أمه لا تتصور. نزل عليها الخبر كالصاعقة. بكت وولولت بأعلى صوتها. أشبعت وجهها و صدرها ضربا ثم أغمي عليها.
حاولت أمل رشها بالماء, لكنها لم تغير من حالتها. أندهش أحمد و أحس بخطورة الوضع ثم أخذ هاتفه النقال.
” أرجوك أن تحضر بسرعة. لقد أغمي على أمي!”
هكذا أخبر أحمد أخاه سعيد الذي يعمل طبيبا مساعدا في احدى المصحات. و ماهي الا لحظات حتى غصت الدار بجميع الاخوان والأخوات.
نظر الأخ الأكبر في وجه أخيه أحمد نظرة حقيرة: ” لو ماتت أمي,أنت السبب”
و أضاف: ” حسابك معي لن ينتهي!”.
تعالت شهقات أحمد, التي لم تنقطع منذ بداية حديثه مع أمه. أحس ” بالذنب” الذي اقترفه. أحس بالألم الكبير الذي أحدثه اختياره هذا في نفوس كل اسرته. لم يستطع تمالك أعصابه, وجرى صوب المطبخ. أخذ السكين و صاح:
” سأريحكم جميعا من روحي, اذا أردتم”
خيم الصمت من جديد, لكنه لم يدم طويلا هذه المرة.
” لا يا ولدي. أنت ابني و ستبقى ابني كما كانت الأحوال” ثم ارتمى الأب على أحمد وأخذ السكين منه.
و خيم الصمت مرة أخرى.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*