المريزق في حوارات مفتوحة مع الشباب

المصطفى المريزق

الجزء الأول:
متى و كيف انخرطت الشبيبة المغربية في العمل السياسي؟ أي نوع من العلاقة تربط اليوم الشبيبة الحزبية المغربية بالمجتمع ؟و ما هي اليوم توجهات هذه الشبيبة ؟ و أي مستقبل ينتظرها في ضوء الجهوية المتقدمة؟

هذه الأسئلة، حملناها إلى ثلة من الشباب خلال حوارات مفتوحة قمنا بها، هنا و هناك، و سنحاول في هذا العرض تقديم بعض أهم خلاصاتها.

مقدمة:

منذ ميلاد القرن العشرين، احتلت الشبيبة المغربية مكانة نضالية متميزة في الساحة السياسية الوطنية، وكانت في قلب تحولات عميقة أصابت صيرورة هذا المؤهل الثمين نحو تطورها وتقدمها، بالرغم من التباين و الاختلاف في الزمان و المكان، و في نسق التطورات و التوازنات التي شهدتها بلادنا.

و لا يخفى أن اللحظة الراهنة من تاريخ مغربنا تشهد مرحلة جديدة و استثنائية بالنسبة لشبابنا، تتسم بالتنوع و التعدد، بالرغم من المخاض الصعب و المتناقض الذي يعيشه اليوم أزيد من 60 % من الساكنة، وفي طليعتهم البالغين دون سن الثلاثين، و أزيد من 40% من الساكنة البالغين من العمر ما بين 15 – 34 سنة (في انتظار نتائج إحصاء 2014).

و البادي للعيان أن صوت الشباب أضحى طاغياً على غيره في ميادين عديدة، كالتعليم و السينما و المسرح و الأغنية و الثقافة و الاقتصاد و السياسة و المجتمع المدني، و ذلك على عكس ماكان سائدا طوال عقود من التهميش والإقصاء الذي لاحق أجيال كاملة من الشبيبة المغربية، من فتوتها إلى كهولتها.

وعلى الرغم من مخلفات الماضي التي ما زالت تلقي بظلالها الكثيفة في العديد من النقط الجغرافية وحاشيتها السفلية منها و الحضرية على امتداد وطننا، فإن الشبيبة (من حيث هي نشاط تنظيمي، فكري، سياسي، اقتصادي و ثقافي) ما زالت تشكل درعا قويا أساسيا للتنظيمات و المنظمات منذ نشوء حركة التحرير الوطني قبل الاستقلال و بعده.

في هذا السياق يهمنا أن نؤكد أنه ليس لدينا أدنى شك في أهمية نضال الشباب كضرورة مجتمعية، و بلادنا اليوم كما هو معلوم في حاجة إلى هذه القوة، و لكن استخدامها يتطلب مقاربة علمية واضحة و احتراما خاصا لها من أجل التفاعل معها، و ليس السيطرة عليها أو تنميطها لتبقى مجرد ذيل تابع.
و لا ريب أن الارتقاء بالتعامل مع الشباب يرتبط بمقدار صيانة حقول نشاطه و الحفاظ على مساحات حريته، و لاريب كذلك أن بعض التنظيمات السياسية في بلادنا تتعامل مع الشباب مثل من يستعمل الأدوات الحديثة من دون أي معرفة بها (وردت على لسان العديد من الشباب خلال حواراتنا).

و تجدر الإشارة إلى أن الدولة هي الأخرى مثلها مثل الأحزاب السياسية، لم تهيئ نفسها بما فيه الكفاية لمواجهة القضايا و التحولات السريعة التي مست فئات واسعة من الشباب المغربي، و لم تهيئ لها الإجابات الضرورية و اللازمة لكل تطلعاتها المستقبلية.

أما اليوم، فقد آن الأوان لفتح ملف الشبيبة الحزبية للمناقشة من أجل البحث عن أفكار جديدة و أراء ناجعة و تصورات موضوعية في ضوء المستجدات التي تعيشها التنشئة السياسية في بلادنا، و ذلك من أجل تجاوز مرحلة الصراعات الناتجة في غالبيتها عن الزبونية السياسية المرتبطة بالسلطة، و الانكباب على التفكير في كيفية تدبير تراب الجهات و الجماعات، و تهييء نخب جديدة و الانتباه إلى ما يفرضه الواقع من تحديات اقتصادية و ثقافية، حتى لا ترتكب الأحزاب السياسية المغربية مستقبلا جنحة إعادة إنتاج دولة الزبونية و سلطة الريع و حكم الفساد.

حول قضايا الشباب:

من البين، أنه رغم المحن، و رغم التخويف و الترهيب، استمرت الشبيبة المغربية في مقاومتها للإحباط، رافضة التدجين و الخنوع، مستحضرة هموم الوطن و قضاياه التحررية، في المدارس و في الجامعات و المعاهد العليا و المراكز التربوية، و على الرغم من مضايقة العائلات و إغلاق فضاءات التنشيط و الثقافة، و رغم تمييع العمل السياسي؛ يسجل التاريخ انخراط الغالبية العظمى من الشباب المغربي في معارك النضال من أجل الديمقراطية و مقاومة النكوص إلى مواقع التأخر التاريخي الذي يضمن العودة لممارسة الاستبداد و ما يدور في فلكه.

و مرورا بعدة تجارب تا بعناها ، يمكن القول عموما أن الشبيبة المغربية كظاهرة سوسيولوجية ظهرت في منتصف الستينات و السبعينات ( مساهمة التلاميذ و الطلبة و الشباب في انتفاضة مارس 1965)، و قد أصبحت موضوعا متداولا في الخطاب السياسي خاصة بعد انتفاضة 1968 ( بفرنسا ) و بعدها في بوليفيا (سنة 1969) و ما تباها في إيطاليا و إسبانيا ضد الديكتاتورية…

و منذ ذلك الحين، ظل موضوع الشباب بهمومه و عنفوانه و غموضه و تمرده- لوقت طويل- موضوع مزايدة و تمجيد، و عنصرا من عناصر التباهي بالقوة و الفتوة لمواجهة التحدي و بناء المغرب الجديد/ مغرب ما بعد الاستقلال، خاصة لما قاد الشباب في العديد من المحطات نضالات الاستثمار السياسي و الثقافي في خطاب قومي تقليدي أحيانا، و قومي حداثي أحيانا أخرى. بل منذ ذلك الحين سارت أجنحة الشباب تمتد لتطال كافة المنظمات و الهيئات المعنية بعملية التغيير الديمقراطي.

و إذا كان الشباب المغربي قد غدا اليوم ظاهرة متميزة في الخطاب السياسي ، و موضوع مزايدات سياسوية بين اليمين و اليسار، فإنه ينتظر من الفاعلين السياسيين في راهنه ، أجوبة ملموسة و عملية تكون قنطرة عبور نحو المستقبل، لا مجرد أقاويل لدغدغة العواطف و البكاء على أطلال أمجاد الماضي، خاصة أمام القضايا الكبرى التي بات يطرحها الشباب بوعي ومسؤولية ، و على رأسها التوزيع العادل للثروات، والتضامن الاجتماعي بين الجهات، و توفير الأمن الوظيفي و الأمن الغذائي و الأمن الثقافي لضمان الأمن الاجتماعي.

كما لا بد من الإشارة هنا إلى مطالب حيوية أخرى يلح عليها للشباب، و تتعلق بالتربية و التكوين و التأطير بدءا من التعليم الإلزامي إلى التعليم العالي مرورا بالتكوين المستمر للجميع.

و لهذا يبدو مطلب الحوار الوطني حول و مع الشباب من القضايا المستعجلة قبل الشروع في اتخاذ القرارات الاقتصادية و الاجتماعية الخاصة بالجهوية المتقدمة، لكي لا تحاصر طموحات هذه الفئة الاجتماعية الشعبية والوطنية، و لكي تحظى تطلعاتها إلى ما يؤهلها للمشاركة في بناء مقومات التحديث والحداثة في العديد من القطاعات و المؤسسات، كالتعليم والتربية، وتوفير المناخ اللازم والشروط الموضوعية للإبداع والابتكار في مجال التقدم العلمي و التقني و الاقتصاد الرقمي وممارسة النشاط الثقافي في مناحيه المتعددة، و لحرفية عالية تناسب العصر الذي ينتسبون إليه.

دور الشباب في بناء مغرب المستقبل:

يستحضر الشباب بقوة، ما حدث مباشرة بعد الاستقلال، حين نمت طبقة اجتماعية جديدة،”طبقة وسيطة”، طورت علاقتها مع الغرب و أصبحت فيما بعد طبقة تقنوقراطية تتحكم في دواليب الاقتصاد، و لها سلطة خاصة بها تنقل العلوم و التكنولوجيا و التقنيات. و لكونها طبقة من “دون أصول”، كانت النتيجة هي ميلاد الحاشية السفلية التي تكبدت كل صنوف الاستبعاد الاجتماعي و التفقير و التهميش، وكذلم الهجوم الممنهج على مطالب الشعب العادلة والمشروعة. و تتجلى هذه الصورة بأوضح أبعادها في افتقاد المغرب لمدة طويلة من الزمن للإنتاج الاقتصادي الوطني، مما أسفر عن عجز كبير في تطوير البنيات الاقتصادية الوطنية و تحديث البنيات و المؤسسات، و تفريخ غير مسبوق لمافيا العقار و ناهبي الثروة الوطنية، و انتشار الفساد الإداري والمالي في جميع مؤسسات الدولة.

و إذا كان التاريخ لا يخطئ و لا يصيب، باعتباره مجرد حركة علينا تبين معانيها وتمثلها كي نستطيع التدخل فيها و إعادة التفكير في ممارستها و تغيير هذه الممارسة، فلا بد ( يقول الشباب حين تسألهم عن المستقبل) من الاعتراف بما آلت إليه العلاقة بين المغرب و محيطه العربي- الافريقي و الدولي، و التي و صلت إلى تفكك غير مسبوق، لا يمكن إنقاذه إلا بنخب جديدة، عالمة، نظيفة، طموحة، وطنية، متفتحة و منفتحة على افريقيا و العالم و همومه، و إرجاع حراس الأمس إلى ثكناتهم.

و هنا، تبرز أهمية الحركة الشبابية في تحويل المخاطر و المخاوف التي قد تنتج عن التفكك، و تسهيل اندماج كلي في الحياة الاجتماعية و إرجاع الثقة في العمل السياسي، و ولوج المؤسسات و القطاعات العصرية و التنظيمات الموازية من جمعيات و منظمات و نقابات و هيآت مدنية. و في هذا الإطار، طالب و يطالب الشباب بتوفير الضمانات القانونية اللازمة للمساهمة في بناء المستقبل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*