التسرب التنازلي للرموز السياسية… قراءة من واقع الممارسة الحزبية بجهة سوس ماسة

*التسرب التنازلي للرموز السياسية… قراءة من واقع الممارسة الحزبية بجهة سوس ماسة*

بقلم:  *نادية واكرار* 

لا تحتاج السياسة دائما إلى قرارات كبرى كي تكشف آليات اشتغالها.

أحيانا يكفي تتبع مسار كلمة أو شعار أو موضوع معين حتى نفهم كيف تتشكل العلاقات داخل الحقل السياسي.

فالكثير من الأفكار لا تنتشر لأنها الأكثر إقناعا، بل لأنها صدرت عن الموقع المناسب وفي اللحظة المناسبة.

هذا ما يمكن ملاحظته داخل عدد من التنظيمات السياسية، حيث تتحول بعض المفاهيم والخطابات إلى ما يشبه الموضة السياسية.

تبدأ الفكرة داخل دائرة ضيقة من القيادات أو النخب المؤثرة، ثم تنتقل تدريجيا إلى مختلف المستويات التنظيمية.

وسرعان ما يصبح الجميع يتحدث اللغة نفسها ويستعمل المصطلحات نفسها ويكرر الأولويات نفسها، وكأن المجال السياسي كله يتحرك وفق إيقاع واحد.

وقد أتاح لي الاحتكاك المباشر بالممارسة السياسية والحزبية ملاحظة هذا النمط بشكل متكرر.

فداخل بعض الفضاءات السياسية لا يكون النقاش منصبا دائما على إنتاج الأفكار أو اقتراح البدائل بقدر ما هو مقتصر على التقاط الرموز الجديدة التي بدأت تفرض نفسها داخل المركز السياسي.

وما إن تكتسب هذه الرموز شرعية معينة حتى تبدأ رحلة انتشارها نحو القاعدة…

في جهة سوس ماسة، كما في جهات أخرى، يمكن رصد هذه الظاهرة من خلال طبيعة المواضيع التي تحظى بالاهتمام الجماعي.

ففي لحظة معينة يصبح الجميع منشغلا بقضية محددة، ثم ينتقل الاهتمام فجأة إلى قضية أخرى.

تتغير الكلمات المتداولة وتتغير الأولويات المعلنة، بينما تبقى الإشكالات البنيوية نفسها تنتظر حلولا حقيقية.

المثير للانتباه أن هذا الانتشار لا يتم غالبا عبر الاقتناع الفكري العميق، بل عبر منطق التموقع والبحث عن الانسجام مع الاتجاه السائد. 

 

فكلما اقترب الفاعل من الخطاب الرائج، شعر بأنه أكثر حضورا وأكثر قابلية للاندماج داخل الجماعة السياسية. وهكذا تتحول بعض المفاهيم إلى علامات انتماء أكثر منها الى أدوات للتفكير.

 

ومن خلال متابعة الحياة السياسية الجهوية، يبرز سؤال أساسي: لماذا نلاحظ حضورا قويا للخطابات المستوردة من المركز، مقابل ضعف نسبي للمبادرات الفكرية والسياسية التي تنطلق من خصوصيات الجهة وحاجياتها؟ لماذا يظل الفاعل المحلي في كثير من الأحيان مستهلكا للرموز السياسية بدل أن يكون منتجا لها؟

 

إن جهة سوس ماسة لا تعاني من نقص في الكفاءات أو الخبرات أو الطاقات المدنية.

بل على العكس، تزخر بنخب أكاديمية ومهنية وجمعوية قادرة على إنتاج تصورات تنموية وسياسية متقدمة.

غير أن جزءا من هذه الطاقات يجد نفسه محاصرا بمنطق إعادة إنتاج الخطاب الجاهز، بدل المساهمة في صناعة خطاب نابع من الواقع الجهوي نفسه.

 

من هنا تبدو ظاهرة التسرب التنازلي للرموز السياسية أكثر من مجرد تفسير أكاديمي. إنها آلية حاضرة في تفاصيل الحياة السياسية اليومية.

وهي تفسر كيف تنتقل الأفكار والشعارات من الأعلى إلى الأسفل، وكيف تتحول أحيانا إلى حقائق غير قابلة للنقاش، فقط لأنها صدرت عن جهة تمتلك سلطة رمزية أكبر.

 

إن التحدي الحقيقي ليس في تداول الرموز بل في القدرة على إنتاجها.

وليس في تكرار الخطابات بل في مساءلتها وإغنائها انطلاقا من الواقع.

فالتنمية الجهوية لا تحتاج إلى مزيد من استهلاك المفاهيم، بقدر ما تحتاج إلى نخب قادرة على تحويل التجربة الميدانية إلى أفكار ورؤى ومشاريع…رؤى و نخب حقيقية لا اشباه النخب!!!

عندما تصبح الجهة منتجة للمعنى بدل أن تكون مجرد متلقية له… يمكن الحديث حينها عن ممارسة سياسية حية، لا عن مجرد إعادة تدوير للمواقف و للرموز القادمة من الأعلى …

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*