شذرات اقتصادية… المغرب وفرصة إحياء وتقوية التحالف الإقليمي

 

عائشة العلوي، أستاذة جامعية ورئيسة مركز ديهيا لحقوق الإنسان والديموقراطية والتنمية

منذ بداية هذا القرن، لم يعد خفيا على أحد من المتتبعين/ات للشأن العالمي أن دول الثالوث الإمبريالي غيرت من استراتيجياتها نظرا لعدة أسباب، من أهمها: التطورات الخطيرة في عدة ملفات إقليمية وصعوبة استمرار التعامل والسيطرة عليها كالسابق خاصة من طرف الدول المتقدمة؛ التطور الكبير للصين ومشروعها المستقبلي للسيطرة (مثلا، طريق الحرير الجديد، الجيل الجديد من التكنولوجيا)؛ الصعود العنيف لدول مدعمة للإسلام السياسي خاصة تركيا وإيران؛ عودة روسيا بتحالفات جديدة تُنافس بها مصالح أمريكا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأخيرا، التغيرات الهيكلية في النظام الاقتصادي العالمي المتمثل خصوصا في ظهور الاقتصاديات الجديدة المرتكزة أساسا على الأنترنيت والرقمنة.

الأزمة المالية ل2008 والأزمة الوبائية الحالية، هما أزمتان مغايرتان لمعظم الأزمات الكبرى التي عرفها التاريخ الحديث.

إن هاتين الأزمتين -رغم اختلافهما- بَينت بالملموس أن نفوذ اللوبي الاقتصادي والمالي أصبح جد متمكن من مصادر القرار السياسي الداخلي للدولة، ومن قرارات المؤسسات والمنظمات العالمية.

وبالتالي يستطيع هذا اللوبي السيطرة والتحكم في عدة قرارات مصيرية للشعوب؛ بل لا يجب أن ننسى اللوبي الجديد “التكنولوجي” في تحليلاتنا وتناولنا لمختلف القضايا المصيرية في المستقبل، والذي في اعتقادي هو أكثر شرسا لما يشكله من تهديد على أمن واستقرار الدول والشعوب عبر التحكم في الاقتصاد والمالية العالمية.

السرعة الكبيرة التي انطلقت بها الشركات العالمية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، والتي تعززت مع كوفيد19، أصبحت تهدف إلى التقاط أنفاس كل فاعل سياسي أو مدني وتوجيه مشاريعه، وكذا مراقبة سلوكيات الأفراد في المجتمع؛ مما قد يتساءلنا جميعا عن مساحة الحرية التي ستترك لنا للتعبير في المستقبل؟

بالأمس، كان من السهل إخفاء أثر الأزمات والأوبئة.

على سبيل المثال، أثناء أزمة الأنفلونزا التي ضربت اسبانيا أزيد من 100 سنة، والتي أودت بملايين البشر، كان يقام بعزل قرى بأكملها لتلقي مصيرها دون إبراز كلي للحقائق ودون تدخل فعلي للدولة وللمجتمع الدولي.

أما الآن، أصبح كل مواطن في العالم قادر على فضح تأثيرات العولمة والأزمات؛ كما أنه يحمل تصورات عنها ويعرف انعكاساتها خاصة على محيطه، وهذا يشمل أيضا مواطني/ات الدول الفقيرة والنامية.

مع أزمة كوفيد19، اضطرت الحكومات أن تظهر حسن تدبيرها للأزمة، وذلك نظرا للضغوطات القوية والمباشرة التي تفرضها الانترنيت والتطور الرقمي. لقد بات كل مواطن في العالم متأكد أنه قادر على تقاسم المعلومة مع الآخر لأن ما قد يجمعه من مصير مشترك على هذه الأرض أكثر من ما يمكن أن يفرقه.

بالمقابل، التحالف بين كوفيد19 واستعمال التكنولوجيا، يجعلنا نواجه فترة تراجع ديموقراطي وانكماش حقوقي خطير. أصبحنا مضطرين بتطبيق الأوامر تحت دريعة الحفاظ على الأمن الصحي؛ ربما هي علامات الحرب الباردة التي لازالت لم تبرز القطب الجديد المسيطر في العالم؛ ولعمري أنه سيكون قطب واحد مشكل من الصين وأمريكا!!! إن المصالح لا تبقي على نفس الأصدقاء أو الأعداء.

بالأمس القريب قام الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته في إحدى خرجاته الإعلامية بتمجيد دور الصين في العلاقات الأمريكية وحيويتها الاقتصادية بغض النظر عن كل التوترات التي تعرفها العلاقة بين البلدين.

وهذا التحالف إذا ما حدث، سيشكل طبعا تغيير هيكلي وزلزال سيعصف بمصير مجموعة من القضايا والعلاقات الدولية، إنهما قوتان عالميتان لهما نفس الرغبة لامتلاك خيرات الشعوب والحفاظ على التباين والفارق الشاسع في التطور مع باقي دول العالم، بما فيها الدول الأوربية التي تعيش تناقضات وضغوطات داخلية عديدة تكالبت عليها خروج بريطانيا وضغوطات تركيا ومنافسة الصين لاقتصادها الداخلي.

قد نستخلص من دروس التاريخ أن بعد كل أزمة يكون العالم قد تغير أو سارع في تطبيق خارطة طريق جديدة يتطلب تنزيلها سنوات عديدة من التفاوض في حالة عدم اندلاع أزمة.

فالأزمة تكون فرصة لتمرير المخططات بسرعة وبأقل الخسائر. فأي تحول سيشهده العالم بعد كوفيد19؟

أرادت أمريكا، وذلك قبل الرئيس الحالي المنتهية ولايته، أن تعيد سياستها الخارجية خاصة في الشرق الأوسط لأن سياستها القديمة لم تعد قادرة على التحكم بالنتائج، ونظرا أيضا لأوضاعها الداخلية، رغم أنها أكثر البلدان ليبرالية ولا تهتم في سياساتها الماكرو-الاقتصادية بالتفاوتات الاجتماعية. بيد أن تطور وسائل التواصل فرض على الجميع بما فيهم المسؤولون الأمريكيون على عدم الاستمرار في تجاهل آلام ومعاناة المواطنين/ات.

في هذا الخضم، بحثت أمريكا عن وصفة جديدة لا تتطلب منها التدخل المباشر في القضايا الاستراتيجية لمعظم الدول النامية والفقيرة، بل أصبحت تبحث عن مناطق جيوسياسية أكثر أمانا لتمكينها من الحفاظ على مصالحها بأقل الخسائر ودون تدخل.

لقد أنتج المنطق السريع للربح عدة بؤر حرب ونزاعات مسلحة، أسالت اللّعاب لعدد كبير من الدول المتقدمة الصاعدة.

فدفعها إلى التدخل في معتركها وتوجيه نتائجها. وهذا أنتج تنظيمات أو “دول خفية” منطقها في قيادة الصراع هو منطق أكثر براغماتية من دول الثالوث الامبريالي أو الدول المتقدمة الصاعدة كتركيا وإيران، وأسلوبها أكثر همجية وعنف لا يعترف بالقوانين والمؤسسات الدولية.

أمام هذا اللمحة السريعة للمشهد العالمي، تصبح أمريكا وحلفاؤها مضطرين إلى تغيير تعاملاتهم مع القضايا المصيرية للشعوب والدول.

فعدم الاستقرار السياسي في شمال إفريقيا والتوترات المسلحة في عدة دول إفريقية لم يعد يخدم ويؤمن مصالح هذه الدول، بل ربما أصبح يهدد أمنها الاجتماعي الداخلي كالدول الأوروبية.

بالمقابل، هناك مجموعة من الدول في أمريكا اللاتينية وإفريقيا يمكنها الاستفادة من الوضع وتحقيق سيادتها الكاملة لحل مشاكلها الداخلية والإقليمية، وكذا فرصة لتقوية علاقاتها مع دول الجوار وفرض شروطها على الدول المسيطرة.

إن الوضع العالمي والترتيبات التي تقوم بها دول الشمال، يجب أن يدفع بدول الجنوب خاصة إفريقيا إلى خلق أقطاب إقليمية قوية تساعد على فرض مواقفها السياسية سيما تلك التي ظلت على رفوف الأمم المتحدة لسنوات عديدة، والذي يستفيد منه دول الثالوث.

الحنكة السياسية تقتضي إعادة التفاوض على جميع الملفات السيادية لدول افريقيا، وكذا إعادة التفاوض في الاتفاقيات الاقتصادية المبرمة وإلغاء الديون الممنوحة.
يشكل المغرب وضعا استثنائيا مقارنة مع مجموع الدول التي يتقاسم معها تقريبا نفس الوضعية عبر تسجيله لعدة مؤشرات إيجابية، مما يجعله قادر على لعب دور مهم في إفريقيا والشرق الأوسط.

لكن، هذا يتطلب مساحة من الديموقراطية والعدالة الاجتماعية في البلد حتى يكون على استعداد لمواجهة مجموعة من التربصات خاصة من “الدول الخفية” والتنظيمات الإرهابية التي تجد جدورها في إفريقيا والشرق الأوسط.

الموقع الجغرافي للمغرب واستقراره السياسي، يعتبران عاملان للقوة يجب استثمارهما لفرض شروط القفزة من دولة نامية إلى دولة متقدمة، لأن شروط التقدم لا تكمن فقط في تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل أيضا في تطوير والرفع من المؤشرات السياسية الداخلية والخارجية للبلد.

ولا بد للإشارة هنا أن اللغة السياسية تتحكم فيها توازنات أخرى يصعب قراءتها لمن هم خارج دائرة القرار السياسي.

يبقى علينا نحن كمثقفين وفاعلين مدنيين وسياسيين تفسير كل ما يحدث لخدمة القضايا المصيرية سواء الداخلية أو الخارجية وتحليل كل البيانات المعلنة لتنوير الرأي العام.

إحياء التحالفات الإقليمية يبقى جد مهم لفرض حل النزاعات بما يخدم المصالح السيادية لدول المنطقة وتقزيم دور دول الشمال خاصة أمريكا التي تريد إعادة ترتيب أوراقها دون السماح بخلق تحالفات إقليمية قوية. ونفس هذه السياسة تنهجها الصين حيث تغرق إفريقيا بالمساعدات والاستثمارات التي فاقت حجم ما يمنحه البنك الدولي.

ولا يجب أن ننسى الدور الكبير الذي تلعبه هاتين الدولتين في تصدع الاتحاد الأوروبي، لذا فإنهما لن يشجعان على أي تحالف إقليمي لأنه وبكل بساطة سيعيق مشاريعهما الاستراتيجية. خلق أقطاب إقليمية قوية يبقى السبيل الناجع للحد من الهيمنة الأمريكية أو الصينية، وكما يقول المثل، “الحْمِيّة كَتغْلِب السْبَعْ”.

لا يجب السماح بتأسيس لقطب واحد قوي أو حتى لقطبين، بل يجب أن يكون العالم مساحة أمان تُسيره مجموعة من الأقطاب الإقليمية تلتزم بالقرارات الدولية. كيف السبيل لذلك ودول شمال إفريقيا-بل معظم دول إفريقيا- غارقة في نزاعات سياسية عنيفة تتدخل فيها معظم الدول السالفة الذكر؟ هل يمكن إنصاف قضايا شعوب الجنوب دون تحالف سياسي واقتصادي وتكنولوجي ومالي إقليمي قوي وسيادي؟ هل يمكن إنصاف الشعب الفلسطيني في قضيته دون تحالف إقليمي قوي وسيادي؟

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*