على مدجّني السياسة أن يرحلوا

*زلة قلم:* 

 *على مدجّني السياسة أن يرحلوا* 

 *بقلم عبدالهادي بريويك*

 في زمنٍ تتشابك فيه المصالح وتضيع فيه المبادئ بين دهاليز السياسة، صار المواطن يتساءل بمرارة: لمن يعمل النواب؟ ولصالح من تتحرك الأغلبية داخل مجلس النواب؟

لقد تحول البرلمان، في كثير من الأحيان، من فضاء للنقاش المسؤول والمساءلة الجادة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ووسيلة لتثبيت النفوذ بدل الدفاع عن الوطن والمواطن.

الأغلبية التي يفترض أن تكون رافعة للحكومة وسندا لبرامجها الإصلاحية، تحولت في واقع الحال إلى كتلة صماء، لا تحركها القناعات ولا المبادئ، بل الإملاءات والمصالح.

الأغلبية اليوم تُمارس السياسة بمنطق “الولاء الأعمى”، حيث تغيب الجرأة على النقد،وتختفي القدرة على المبادرة، ويختزل العمل النيابي في التصفيق أو الصمت.

أما المواطن، الذي منحهم صوته على أمل أن يروه في همومهم اليومية، فقد أصبح يشعر بأن المجلس لم يعد صدى لمعاناته، بل صار مرآة لصراعات داخلية تدار بعيدا عن انتظاراته الحقيقية.

فالبرامج الاجتماعية تُهمَّش، والأسئلة حول البطالة والتعليم والصحة تُؤجَّل، بينما تُمنح الأولوية للجدل العقيم حول المناصب والمكاسب.

ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن إنكار وجود أصوات نيابية حرة ترفض الانصهار في جوقة التطبيع مع الرداءة السياسية.

فمن بين هذه الأصوات نجد فريق التقدم والاشتراكية، الذي يصدح بالحق دون خوف، ويعبّر عن نبض الشارع بجرأة ومسؤولية، غير أن صوته كثيرًا ما يبدو كمن يغرد في بئرٍ مهجور — لا صدى له بين جدران الأغلبية الصمّاء التي اختارت الصمت بدل الموقف، والمحاباة بدل المبدئية.

 

إن المدجّنين سياسيًا، أولئك الذين يسايرون كل سلطة ويتقلبون مع كل رياح، هم الخطر الحقيقي على الديموقراطية.

فهم يُفرغون السياسة من معناها النبيل، ويحوّلونها إلى مهنة للكسب، لا رسالة للتغيير.

إن بقاء هؤلاء في واجهة المشهد هو استمرار لحالة الجمود التي تخنق الحلم الإصلاحي وتفقد الناس ثقتهم في المؤسسات.

لقد آن الأوان أن يرحلوا — أن يتركوا المكان لمن يؤمن أن السياسة التزام ومسؤولية، لا وسيلة للتسلق.

آن الأوان لأغلبية تفكر قبل أن تطيع، وتُحاسب قبل أن تُصفق، أغلبية تفهم أن القوة الحقيقية ليست في عدد المقاعد، بل في المواقف التي تُصان بها كرامة الشعب وتتحقق بها العدالة.

فليغادر المدجّنون، ولتبقَ السياسة مساحةً حرةً للضمير الحي والعقل المسؤول.

فلا نهضة بدون صدق، ولا ديمقراطية بدون شجاعة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*