نحو مدونة سلوك جديدة للموظف العمومي… بين الدستور والاتفاقيات الدولية ورهانات الدولة الحديثة

نحو مدونة سلوك جديدة للموظف العمومي… بين الدستور والاتفاقيات الدولية ورهانات الدولة الحديثة

محمد الطبيب/ ناشط حقوقي وفاعل جمعوي

لم يعد النقاش حول مدونة سلوك الموظف العمومي مجرد مسألة تقنية تتعلق بضبط المهنة أو تنظيم العلاقات الإدارية، بل تحول إلى أولوية سياسية مرتبطة بمصداقية الدولة، وبقدرتها على بناء نموذج تنموي جديد يقوم على النزاهة، العدالة، والحكامة الجيدة.

ففي ظل التحولات الدستورية لسنة 2011، وارتفاع منسوب ملفات الفساد، وازدياد الضغط المالي على الدولة بسبب اختلالات العدالة الضريبية وتضخم الدين العمومي، بات من الضروري إعادة صياغة مدونة سلوك الموظف العمومي بشكل متقدم، صارم، وذو بعد استراتيجي يتجاوز مجرد التوجيه الأخلاقي.

1. دستور 2011… من الأخلاقي إلى الإلزامي

كرس الدستور المغربي مبادئ قوية مرتبطة بعمل المرفق العام، من بينها؛ 

ربط المسؤولية بالمحاسبة (الفصل 1)، الشفافية والنزاهة (الفصل 36)، منع تضارب المصالح واستغلال المواقع، قواعد الحكامة الجيدة وحقوق المرتفقين (الفصول 154–157).

هذه المقتضيات ليست شعارات؛ إنها أساس قانوني لإحداث مدونة سلوك متقدمة تخضع للرقابة، وتدمج الآليات الزجرية والوقائية، بدل الاكتفاء بالنصائح والواجبات العامة.

2. الالتزامات الدولية… المغرب ليس في معزل

انضمام المغرب لعدد من الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها، اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، و مبادئ منظمة التعاون والتنمية حول النزاهة والشفافية، و المعايير الدولية للحكامة المالية والإدارية، يضع الدولة أمام التزام واضح هو تقوية المساءلة داخل الوظيفة العمومية، وضمان معايير أخلاقية واضحة وصارمة للموظفين، تشمل التصريح بالممتلكات، تدبير الهدايا، تضارب المصالح، السرية المهنية، وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات.

3. التنمية الترابية والحكامة… الموظف في قلب المعادلة

لم يعد الموظف مجرد منفذ للقرارات، بل هو عنصر حاسم في نجاح النموذج التنموي:

الجماعات الترابية تحتاج موظفين يقدمون خدمات فعالة وشفافة.

الاستثمار الخاص يحتاج إدارة متحررة من الرشوة والمحسوبية.

المواطنين يحتاجون إدارة منصفة، سريعة، ومحقّقة للثقة.

إن أي خلل في سلوك الموظف المباشر ينعكس على جودة التنمية الترابية، خصوصا في مجالات التعمير، الرخص، الدعم الاجتماعي، الصفقات، والجبايات.

4. ارتفاع ملفات الفساد… سؤال المحاسبة قبل النصوص

رغم الإصلاحات التشريعية، ما تزال التقارير الرسمية تشير إلى، ارتفاع حالات تضارب المصالح، اختلالات تدبير الصفقات، سوء استعمال السلطة، الاغتناء غير المشروع، ضعف الرقمنة والشفافية، تجميد المساطر التأديبية بسبب تدخلات أو تواطؤات…

وهنا تظهر الحقيقة، بحيث ان النصوص الحالية غير كافية لأنها دون آليات تنفيذية فعالة.

فأي مدونة سلوك متقدمة يجب أن تكون ملزمة، قابلة للتنفيذ، وتحت رقابة هيئات مستقلة.

5. إنهاء هيمنة “لوبي التشريع” الذي يخدم مصالحه

حان الوقت لكشف واحدة من أكبر الإشكالات، اذ نجد ان اللوبيات التي تؤثر في صياغة النصوص الإدارية لتخدم مصالح فئات معينة داخل الإدارة أو داخل مؤسسات القطاع العام، هذه اللوبيات تعيد إنتاج الريع الإداري عبر استثناءات في التعيين والترقية، و مساطر غامضة في الانتقاء و ترك ثغرات قانونية تستغل ضد الصالح العام، مع حماية شبكات النفوذ داخل القطاعات الحساسة

فمدونة السلوك الجديدة يجب أن، تبنى بمقاربة تشاركية واسعة تنشر للعموم و تخضع للمراجعة الدورية

و تمنع أي محاولة للالتفاف حول القانون

6. العدالة الضريبية والدين العمومي… الموظف جزء من الحل

اليوم، تواجه المالية العمومية تحديات حقيقية، من أهمها ضعف العدالة الضريبية، تصاعد التهرب الضريبي، تضخم الدين العمومي، و ارتفاع نفقات التسيير على حساب الاستثمار.

 فمدونة سلوك حديثة وملزمة يمكن أن تساهم في، محاربة الفساد المالي والإداري، و رفع مردودية الجبايات، تقليص الهدر المالي، استعادة ثقة المستثمرين والمانحين، و تقوية الشفافية في الصفقات العمومية، من أجل تخفيف الضغط على المالية العمومية.

خلاصة، المغرب اليوم يحتاج إلى مدونة سلوك متقدمة للموظف العمومي ليست مجرد دليل أخلاقي، بل، إلى إطار قانوني ملزم، و أداة لمحاربة الفساد والريع، من أجل ضمانة للحكامة والتنمية الترابية، و حماية لحقوق المرتفقين، من أجل آلية لترسيخ دولة القانون، ووسيلة لإعادة الاعتبار للخدمة العمومية.

إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة بناء الثقة، ولا ثقة بدون شفافية، ولا شفافية بدون قواعد صارمة تحكم سلوك الموظف، وتجبر الجميع على احترام القانون، دون استثناءات ولا امتيازات ولا حصانات مقنعة.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*