حينما بصق النائب البرلماني في يده… هل سقطت اللياقة أم ارتبك الوقار داخل قبة البرلمان؟

حينما بصق النائب البرلماني في يده… هل سقطت اللياقة أم ارتبك الوقار داخل قبة البرلمان؟

سياسي : رشيد لمسلم

يشكل البرلمان المغربي، وفقا للدستور، إحدى أهم المؤسسات الدستورية التي تُناط بها وظيفة التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتمثيل الإرادة الشعبية.

ولا يقتصر دور النائب البرلماني على ممارسة هذه الوظائف فحسب، بل يمتد أيضا إلى تجسيد القيم الأخلاقية والسلوكية التي يُفترض أن تُميز ممثلي الأمة.

وفي هذا السياق، أثار قيام نائب برلماني مغربي، يشغل أيضا منصب رئيس فريق حزب الاصالة والمعاصرة، بالبصق في يده داخل الجلسة العمومية نقاشا واسعا حول مدى انسجام هذا السلوك مع الضوابط القانونية والأعراف البرلمانية التي تحكم عمل المؤسسة التشريعية.
عندما يُقدم نائب برلماني على هذا الفعل، فإنه يفتح المجال لأكثر من تأويل.

فقد يُنظر إليه – من الناحية الشكلية – كحركة عفوية مرتبطة بعادة شخصية أو بانفعال لحظي، دون قصد الإساءة أو الاستفزاز.

وقد يُقرأ – من زاوية أخرى – على أنه تصرف يعكس توترا أو انزعاجا أو رغبة في ضبط النفس أثناء النقاش.

غير أن المشكلة لا تكمن في النية المباشرة، بل في الصورة التي يتركها الفعل داخل فضاء مؤسساتي يفترض أن يسوده الوقار والانضباط.

حتى لو لم يقصد النائب أي معنى رمزي، فإن بصقه في يده قد يُفهم لدى المتلقّي على أنه تجاهل للياقة أو لرمزية المكان، ما يثير أسئلة حول مستوى الانضباط المطلوب في البرلمان.
وفقاً للدستور المغربي لسنة 2011، يكتسي البرلمان مكانة خاصة من حيث رمزيته الدستورية ودوره في تجسيد السيادة الشعبية.

وإلى جانب هذه المكانة، ينص النظامان الداخليان لمجلسي النواب والمستشارين على قواعد واضحة تتعلق بالانضباط داخل الجلسات العمومية.

ورغم أن هذه الأنظمة لا تُعدد كل الأفعال الممكنة، فإنها تقرر مبدأ عاما مفاده ضرورة الحفاظ على الوقار والهدوء والاحترام المتبادل والامتناع عن كل ما من شأنه المساس بكرامة المؤسسة أو الإخلال بنظام الجلسة.

وهذا المبدأ الواسع هو الذي يتيح تقييم السلوكات التي لا تكون منصوصا عليها نصا، ولكنها تُقاس بميزان اللياقة والاحترام المفروضين.
من الناحية القانونية الصرفة، لا يشكل البصق في حد ذاته مخالفة محددة بعقوبة منصوص عليها، ما دام الفعل لم يتخذ طابع الإهانة المباشرة أو التعريض بشخص أو جهة معينة.

غير أن القياس القانوني في المجال البرلماني لا يقوم على مخالفة حرفية فحسب، بل على فهم روح النظام الداخلي الذي يهدف قبل كل شيء إلى حماية هيبة المؤسسة.

فالفعل الذي قد يبدو عاديا في الفضاء الخاص يتحول إلى فعل غير لائق حين يقع داخل قاعة الجلسات، حيث تتجه الأنظار وتُسجل المواقف وتُنقل الصورة مباشرة إلى الرأي العام.
وبالتالي، فإن البصق داخل الجلسة، حتى وإن تم دون قصد الإساءة، يدخل – من زاوية الأعراف المهنية – في باب السلوك غير المنسجم مع الوقار البرلماني.

فهو يلامس جانب النظافة العامة، ويبعث برسالة سلبية عن مستوى الانضباط داخل المؤسسة، ويُسهم في تأزيم صورة البرلمان لدى المواطنين الذين يتابعون أعماله بحثا عن نماذج يُحتذى بها في المسؤولية والالتزام.

ولا يخفى أن الثقة العامة في العمل السياسي أصبحت هشة، وأن أي تصرف غير محسوب قد يُستغل لتغذية مشاعر اللامبالاة أو الرفض تجاه المؤسسات.
يتيح النظام الداخلي لرئاسة الجلسة أيضا هامشا من السلطة التأديبية للتعامل مع الإخلالات، من خلال التنبيه أو تسجيل الملاحظة أو حتى مطالبة العضو بالاعتذار إذا رأت الرئاسة أن ذلك ينسجم مع حماية حرمة الجلسة.

وهذه الآليات ليست عقوبات بمعناها الزجري، بل أدوات معيارية تُستخدم لتذكير النواب بأنهم شخصيات عمومية يُنتظر منهم الحفاظ على مستوى معين من الانضباط في الفضاء التشريعي.
خلاصة القول إن الحادثة، وإن لم ترتقِ إلى مخالفة قانونية صريحة، تبقى سلوكا غير ملائم لسياق الجلسة العمومية وغير منسجم مع الأعراف البرلمانية التي ترسخ صورة المؤسسة.

فالبرلمان ليس مكانا عاديا، بل فضاء تمثيليا يحمل رمزية الدولة وثقة المواطنين.

وحين يُخل نائب ما – مهما كانت رتبته أو انتماؤه – بما تمليه اللياقة المهنية، فإنه يسيء قبل كل شيء إلى المؤسسة التي يمثلها.
إن الحفاظ على هيبة البرلمان لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل بممارسات يومية تعكس احتراما كاملا لرمزية المكان ومسؤولية التمثيل الديموقراطي.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*