رأس السنة: فلسفة الحياة
بقلم الدكتور سيدي علي ماء العينين، أكادير، يناير 2026
تشرف سنة على الانتهاء، نودع أحلاما لمستقبل وأحلاما، وبينهما حقيقة لم يعد يمكن تجاهلها وهي أن العمر يمر بتراكم السنوات، وقد يكون أهم شيء في هذه المعادلة هو أنك لا زلت على قيد الحياة.
هناك معتقد ديني فيه كثير من التفسير لبقاء الإنسان على قيد الحياة، ولماذا الموت ليس له عمر محدد، وهو أن البقاء وإن كان يوجب الفناء، إلا أنه عربون رباني بأن دورك في هذا الكون لم ينته، وأن بقاءك على قيد الحياة يعني أنه لا زال يرجى منك خير.
أما الأحلام فستكون بهذا المنطق أمرا ثانويا، فلا يمكنك تحقيق أحلامك وأنت ميت، وهذا معناه أنك مادمت على قيد الحياة فعندك فرص أخرى لتحقيق أحلامك.
والذي يسارع إلى تحقيق أحلامه بسرعة وطرق غير مشروعة، فهو ذلك الشخص الذي لا يثق في الغد أو لا يثق حتى أنه سيعيش في الغد.
لذلك تجده مقتنعا أن حصنه المنيع وحصانته التي لا تسقط هي المال، فيسعى إليه بكل الطرق لعل الدرهم الأبيض ينفع في اليوم الأسود.
لكن ما يثير الشفقة في جامعي الأموال ومكدسيها، أنه كلما اعتقد أنه حقق الإشباع كلما زادت لهفته للمزيد. وحين يأتي الليل ويضع رأسه على الوسادة لينام، يطير نومه بكثرة تفكيره في مصير تلك الأموال بعد موته، فتتحول أحلامه إلى كوابيس ويقظته إلى محنة تفكير.
السر في ذلك أنه لم يعش بالمال بل عاش بحثا عن المال، فالمرء يمكنه العيش بقليل، كما يمكنه العيش بالكثير، وتبقى فرص العيش واحدة، لكنها مختلفة باختلاف توفر الإمكانيات، وتلك الإمكانية تعوضها القناعة والصبر والتقوى، ولكن السعي إليها وأنت غير مسلح بما سبق ذكره يدفعك دفعا للوصول إليها بطرق غير مشروعة، وإذا لم تضبط وتسجن وتسلب منك تلك الحياة بإمكانياتها، فإنها تسجن تفكيرك وتسلب منك نومك وترمي بك في بحر الهواجس والكوابيس.
لذلك فإن نومك ليلة وإفاقتك في اليوم الموالي الذي يصادف رأس السنة، فهو أمر لا يتكرر في السنة إلا مرة، لكن نومك واستيقاظك يحدث كل يوم وهو العلامة الوحيدة التي تؤكد أنك لا زلت على قيد الحياة.
فالمستيقظ على سرير قصر أو ضيعة أو فندق خمس نجوم لا يختلف عمن استيقظ على الرصيف أو في كوخ حقير، لأن البقاء هنا على قيد الحياة أعمق دلالة من المكان. وأثاث المكان لا يحدد طبيعة الأحلام أثناء النوم، لكنه مؤكد يلقي بظلاله على أحلام اليقظة.
من كل هذا، واصلوا أمنياتكم لتحقيق أحلامكم، فمادام لا زال في العمر بقية، فإن رأس سنة لا يختلف عن أخرى، لكننا نحن من يختلف حسب ما راكمناه في بحر السنة قبل أن يرمي بنا إلى يابسة العمر.
واصلوا حياتكم، فلا زلتم على قيدها لأن خيرا يرجى منكم ورسالة ينتظر منكم الانتهاء منها، واصلوا تجويد إمكانياتكم من أجل عيش كريم، لكن حاولوا ما استطعتم أن تجنبوا أنفسكم لقمة الحرام، وأكل مال الغير بدون حق، لأنكم ستحولون عيشكم إلى ضنك وبؤس.
الرضا بما قسم الله لك، والثقة في المستقبل الذي علمه عند علام الغيوب، ورزقه عند الرزاق المعطي الجواد الكريم، وأن تكون فيه فذلك لحكمة يعلمها العليم الخبير، وإن رحلت عنها فذاك قدره، يعلم الله خباياه.
لكن لا ترحلوا قبل أن تتركوا أثرا طيبا تذكرون به، وعملا صالحا تترحمون عليه، ودينا وعملا صالحا يكون جواز سفركم للجنة، ذلك الفرق الذي لا عودة بعده.
فهل تعتبرون؟
