مفارقة العقول: إعلام النتيجة و إعلام المعنى…..
كتبها: فيصل العراقي
تتجلّى مفارقة العقول حين ننظر إلى الحدث الواحد بعيون مختلفة.
إعلامٌ ينظر فقط إلى النتيجة: فاز أو خسر، سجّل أو أضاع، كأس أو لا شيء.
وإعلامٌ آخر ينظر إلى ما وراء النتيجة: في أمريكا مثلا ينظر كيف أُدير الضغط؟ كيف حُميت اللعبة؟ وكيف خرج التنظيم سالمًا حين كان الانفلات ممكنًا؟
أعلامُ النتائج ترفع لوحة التسجيل كحقيقة نهائية.
بالنسبة لها، ضربة جزاء ضائعة تختزل بطولة كاملة، وتحوّل مشروعًا طويل النفس إلى فشل لحظي.
هذا إعلام تحكمه اللحظة، ويغذّيه الانفعال، ويقيس النجاح بالدقائق الأخيرة فقط.
في المقابل، أعلامُ المعنى كما يظهر في جزء واسع من الإعلام الدولي تسأل أسئلة أخرى:
هل صمد التنظيم؟ هل استمرت المباراة؟ هل خرجت البطولة دون صور فوضى تطارد القارة؟ هنا لا تُلغى العاطفة، لكنها تُؤطَّر داخل فهم أوسع لمسؤولية الحدث.
في هذه المفارقة، لا يكون الخلاف حول كرة دخلت أو لم تدخل، بل حول وظيفة العقل الإعلامي:
هل هو أداة لتأجيج الغضب، أم وسيلة للفهم والتقييم؟
العاطفة حين تقود القراءة تختصر الواقع، أما التحليل حين يتقدّم يوسّع الصورة.
ومن هنا يظهر الفرق بين من يطالب بالكأس فورًا، ومن يدرك أن الكؤوس قد تُؤجَّل أحيانًا حتى لا تنهار المنصّة التي تُسلَّم فوقها.
القراءة الباردة لا تُنكر الألم الرياضي، لكنها تضعه في سياقه. تقول إن البطولة لم تنهَر، وإن التنظيم لم يفشل، وإن الروح الرياضية بقيت سقفًا حاكمًا.
هذه ليست تبريرات، بل مؤشرات نضج: القدرة على احتواء الأزمة بدل تصديرها، وعلى حماية الإطار بدل المجازفة بتكسيره.
وهنا تتضح مفارقة العقول مرة أخرى:
عقلٌ يحاسب اللحظة وحدها،
وعقلٌ يحاسب المسار كله.
الأول يُدين بسرعة، والثاني يُقيّم ببطء.
الأول يطلب الانتصار الآن، والثاني يبني احترامًا يدوم. وفي عالم الرياضة الكبرى كما في السياسة والثقافة، نادراً ما تُقاس النجاحات بما يحدث في الدقيقة الأخيرة فقط، بل بما يبقى بعد صافرة النهاية.
الخلاصة:
الهزيمة ليست دائمًا سقوطًا، كما أن الفوز ليس دائمًا تتويجًا. بين أعلام النتائج وأعلام المعنى مساحة واسعة اسمها إدارة المعنى.
ومن يحسن قراءة هذه المساحة، يفهم أن بعض الخسارات تُعلّم أكثر مما تُوجِع، وأن بعض الانتصارات الصامتة هي التي تؤسّس لما بعدها.
هنيئًا للمغرب، لأنه نجح في الاختبار، اختبار احتواء الأزمة، حماية اللعبة، وصيانة صورة الدولة حين يشتدّ الضغط، كما لا ننسى صورة قارة إفريقيا…..
