*فنجان بدون سكر:*
*زمن الأقنعة*
*بقلم عبدالهادي بريويك*
في هذا الزمن الذي اختلطت فيه المعايير، لم يعد الصدق فضيلة يحتفى بها، بل أصبح عبئا يتجاهل صاحبه.
كلما كان الإنسان نزيها في قوله، مخلصا في عمله، خدوما دون انتظار مقابل، وضع في الهامش كأنه زائد عن الحاجة. وعلى النقيض، كلما أتقن آخرون فن التلون، ولبسوا أقنعة النفاق، وتمرسوا في التملق، وجدوا الأبواب مفتوحة والقلوب مستعدة للاحتضان.
إنها مفارقة موجعة، لا تجرح الأفراد بقدر ما تفضح حال زمن يكافئ الزيف لأنه أسهل، ويقصي الحقيقة لأنها ثقيلة. زمن يخشى الصادق لأنه لا يجيد المساومة، ويحتفي بالمنافق لأنه يعرف من أين تؤكل الكتف، حتى ولو كان الثمن هو القيم نفسها.
لسنا بحاجة إلى تصفيق ولا إلى امتيازات، بل إلى ميزان عادل يعترف بالجهد الصادق، ويمنح الاحترام لمن يعمل بضمير لا لمن يجيد استعراض الولاء.
فاستمرار هذا الخلل لا يقتل الطموح فحسب، بل يرسخ قناعة خطيرة مفادها أن النزاهة طريق خاسر، وأن الصدق سذاجة لا مكان لها.
ومع ذلك، يبقى الإخلاص موقفا لا يتغير بتغير الأمزجة، وتظل القيم الحقيقية قائمة، حتى وإن أدار لها الزمن ظهره. فليس كل ما يهمل بلا قيمة، ولا كل ما يحتضن جديرا بالاحتضان.
دمت سعيدا ايها الوطن
