بقلم الدكتورة: إلهام الوادي
صرخة وطن: حين اهتز وجدان المغاربة في كأس إفريقيا.
بين العاطفة الوطنية وانفلات قواعد اللعبة:
لم تكن صدمة كأس إفريقيا مجرد خسارة عابرة داخل رقعة خضراء، بل كانت رجة شعورية أصابت وجدان المغاربة في العمق.
لأن ما اهتز لم يكن شباك مرمى فقط، بل منظومة ثقة بناها هذا الشعب بصبر، وراكمها بعمل، وحماها بقيم راسخة تؤمن بأن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للانتصار.
في لحظة الكأس، شعر المغاربة أن شيئا ما يقع داخل الملعب، فٱرتفعت صرخة وطن لا تبحث عن شماعات، بل عن معنى، ولا تطلب امتيازا، بل احتراما لتاريخ أمة اعتادت أن تصنع مجدها بعرقها لا بالضجيج.
1- المغرب… وطن الإنجاز قبل أن يكون وطن الكرة:
المغرب ليس طارئا على النجاح، ولا ضيف شرف في سجل الإنجازات. هو وطن اختار منذ سنوات أن يراهن على العمل الهادئ والبناء الطويل النفس.
من صناعة الطائرات والسيارات، إلى تشييد شبكات القطار، إلى فلاحة تصدر خيراتها للعالم، وصولا إلى الاستثمار في الإنسان قبل البنية.
ومن هذا المنطلق، لم يكن تعلق المغاربة بكرة القدم منفصلا عن سياق وطني أوسع، بل امتدادا طبيعيا لمنظومة قيم تؤمن بأن النتائج تصنع ولا تمنح.
2- كرة القدم كمرآة للكرامة الوطنية:
في السياق ذاته، تحولت كرة القدم لدى المغاربة إلى أكثر من لعبة، وأصبحت مرآة رمزية للكرامة الوطنية. فالوصول إلى نصف نهائي كأس العالم لم يكن ضربة حظ، بل تتويجا لمسار قوامه الرؤية، والتكوين، والاحتراف، والانضباط. كما أن التقدم في تصنيف الفيفا، والتتويج بألقاب قارية و عالمية عربية وشبابية، كرس قناعة راسخة بأن الكرة المغربية لم تعد تقبل أن تقاس بمنطق الصدفة، بل بمنطق الاستحقاق.
3- كأس إفريقيا… حين خاب الشعور لا الحلم:
غير أن ما شاب بعض أطوار كأس إفريقيا أحدث فجوة شعورية لدى المتابع المغربي.
لم تكن فجوة نتيجة، بقدر ما كانت فجوة إحساس. إذ شعر الجمهور بأن ما يجري لا ينسجم مع صورة المغرب التي تشكلت عالميا من حسن التنظيم والإستقبال وغيره… ، ولا مع حجم التضحيات المبذولة داخل وخارج المستطيل الأخضر. ففي تلك اللحظة لم نرى لاعبين فقط، بل رأينا أبناء وطن حملوا المغرب في قلوبهم قبل أقدامهم بروح وطنية قوية، وتقاسموا الفرح مع أبناء وطنهم، فانبثقت الأسئلة لا بدافع الاتهام، بل من موقع الحرص، لأن الخيبة كانت خيبة لحظة، لا خيبة مسار، وخيبة شعور، لا خيبة انتماء.
4- صرخة وطن لا تبحث عن خصم:
في هذا السياق، جاءت صرخة المغاربة هادئة في لغتها، عميقة في دلالتها.
لم تكن موجهة ضد فريق، ولا ضد اسم، ولا ضد جهة بعينها، بل كانت تعبيرا عن وعي جماعي يرفض اختزال المغرب في نتيجة، أو تسيير المنافسة بمنطق لا ينسجم مع قيمه. صرخة تطالب بأن تكون المنافسة انعكاسا للأخلاق الرياضية، وأن تظل كرة القدم فضاءا نزيها يليق بشغف الشعوب واحترامها للقواعد.
5- حين تتقدم القوانين على الانفعالات:
ومن بين الوقائع التي عمقت صدمة المتابع المغربي، برزت تصرفات غير مسبوقة على هذا المستوى القاري، تمثلت في رفض المنتخب السينغالي ضربة الجزاء لصالح المنتخب المغربي تلك ضربة الجزاء الحقيقية من زاوية قانونية خالصة، تلاه انسحاب لاعبي المنتخب السنغالي مع مدربه من أرضية الملعب، تلك التصرفات تتعارض مع القواعد المؤطرة لكرة القدم كما هو معمول بها دوليا وقاريا. فالقانون الكروي يلزم الفرق باحترام قرارات الحكم داخل رقعة الميدان، واستكمال المباراة إلى نهايتها، مع ضمان حق الاعتراض أو الطعن حصريا عبر المساطر القانونية بعد صافرة النهاية. ويعد الامتناع عن استئناف اللعب أو الانسحاب من الملعب إخلالا بمبدأ استمرارية المنافسة، وتجاوزا لروح اللعب النظيف، التي تعد إحدى الركائز الأساسية للتنظيم الكروي العالمي. هذه الوقائع لم تقرأ بوصفها احتجاجا ظرفيا فقط، بل باعتبارها لحظة قانونية فارقة أعادت طرح سؤال الانضباط وحدود التعبير داخل المنافسات الرسمية.
6- بلاغ الديوان الملكي… تحليل خطاب الحكمة في لحظة الأزمة:
في أعقاب هذه الأحداث، جاء بلاغ الديوان الملكي ليشكل نقطة تحول في قراءة ما جرى، ليس فقط من زاوية رياضية، بل من منظور مؤسساتي شامل.
فخطاب البلاغ اعتمد لغة جامعة تقوم على ثلاث ركائز أساسية: أولا: تثبيت منسوب الاعتزاز بالنجاح التنظيمي والتنموي الذي حققته المملكة المغربية من خلال احتضان كأس إفريقيا، باعتباره نجاحا وطنيا وإفريقيا مشتركا.
ثانيا: الفصل الواضح بين هذا النجاح وبين الأحداث المؤسفة التي شابت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، في تأكيد دقيق على رفض اختزال التظاهرة في لحظة انفعال.
وثالثا، الدعوة الصريحة إلى تغليب العقل وروح الأخوة الإفريقية، ورفض التشهير أو الانسياق وراء منطق التفرقة.
ومن خلال هذا الخطاب، أعاد البلاغ ترسيخ منطق الاحتكام إلى القانون والمؤسسات، باعتباره الإطار الوحيد لمعالجة الخلافات، ورسخ فكرة أن الرياضة، مهما بلغت حدة التنافس فيها، تظل مجالا للقيم المشتركة لا ساحة للصراع.
7- ما بعد الصدمة… المغرب كما كان وأقوى:
ورغم قسوة اللحظة، يظل التاريخ شاهدا على أن الكبوات لا تسقط الأمم، بل تعيد ترتيب وعيها.
فالمغرب، الذي راكم إنجازاته بهدوء، لن تغير مساره مباراة ولا بطولة.
سيعود كما اعتاد، بعقل رصين، وقلب مؤمن، وإصرار على أن العمل الجاد وحده كفيل برد الاعتبار، وأن المجد الحقيقي لا ينتزع بالاحتجاج، بل يبنى بالالتزام.
كانت كأس إفريقيا لحظة اختبار حقيقي للوجدان المغربي، فخرج منها الوطن مستفيدا من الدرس الكروي، أكثر وعيا بذاته، وأكثر تشبثا بقيمه.
وكما عبر عن ذلك الخطاب الملكي، فإن المغرب ليس وطن ردود الأفعال، بل وطن الرؤية، وليس أمة تبحث عن انتصار عابر، بل عن مكانة دائمة تبنى على احترام القانون، ونزاهة المنافسة، وروح الأخوة الإفريقية.
لذلك ستظل «صرخة الوطن» صرخة وعي، لا صرخة غضب، ودعوة إلى أن تبقى الرياضة جسرا بين الشعوب، لا ساحة لانقسامها، القادم أجمل بإذن الله. وتبقى محبتنا للأسود عظيمة!
