حينما نأخذ الأكذوبة إيمانا 

فنجان بدون سكر:

حينما نأخذ الأكذوبة إيمانا 

إلى أمي وأبي… وإلى نفسي..

بقلم عبدالهادي بريويك 

لسنا بخير

كبرت وأنا أظن أن أمي لا تتعب، وأن أبي لا ينكسر، وأن البيوت تدار بالصبر وحده.

كبرت لأكتشف أن التعب كان موجودا دائما، لكنه كان صامتا، مؤدبا، لا يطلب شيئا.

أمي، لماذا كنت تبتسمين وأنت مرهقة إلى هذا الحد؟ لماذا كنت تقولين: لا بأس، بينما كل شيء كان يثقل قلبك؟ علمتني الصدق، ثم علمتني – دون قصد – كيف نخفي الحقيقة حين تؤلم.

وأبي، لماذا كنت تختصر وجعك في الصمت؟ لماذا أقنعتني أن القوة هي أن لا تتكلم؟ رأيت في عينيك أشياء لم تُحك، وخسارات لم تجد وقتا للبكاء، وسمعتك تقول: بخير… وكأن الكلمة درع يحميك من الانهيار.

كبرتُ، وصرت أشبهكما أكثر مما توقعت.

صرت أبتسم حين أتعب، وأقول بخير حين لا أكون كذلك. صرت أعرف متى أغير نبرة صوتي، ومتى أنهي الحديث سريعا، ومتى أدفن السؤال في صدري كي لا أسمع جوابا لا أحتمله.

كلما سألت أحدهم: كيف الحال؟ وأنا أعلم الضرر، أدرك أننا لا نبحث عن الحقيقة، بل عن طمأنينة مؤقتة.

نسأل لنبقى قريبين دون أن نقترب أكثر مما يجب، ونجيب لنحمي أنفسنا من الشرح الطويل، ومن نظرات الشفقة، ومن عجز الكلمات أمام وجع حقيقي.

نحن لا نكذب لأننا سيئون، بل لأننا مرهقون. لأن الألم حين يتراكم يصبح ثقيلا على اللسان.

لأن الاعتراف يحتاج أمانا، والأمان نادر.

فنختصر كل شيء في جملة قصيرة، مهذبة، لا تزعج أحدا: أنا بخير.

لسنا بخير، لكننا نحاول.

نحاول أن نواصل، أن نقف، أن نؤدي أدوارنا كما يجب. نحاول أن نكون أقوياء كما تعلمنا، حتى لو كان الثمن أن نتجاهل ما ينكسر في داخلنا كل يوم.

إلى أمي وأبي… شكرا لأنكما صمدتما، حتى لو كان الصدق مؤجلا.

وإلى نفسي… سامحيني لأنني تعلمت الكذب من الحب، ولأنني لم أجد طريقة أخرى لأبقى.

لسنا بخير…

لكننا ما زلنا هنا، وهذا وحده شكل آخر من أشكال النجاة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*