حين يتحول النقد الصحفي إلى خصومة سياسية
كتبها: عبد اللطيف الغلبزوري
خرج الصحفي توفيق بوعشرين، في إحدى حلقات البودكاست الذي دأب على تقديمه، بخرجة خصصها للهجوم على السيدة فاطمة الزهراء المنصوري.
وهي خرجة تطرح، مرة أخرى، سؤال الحدود الفاصلة بين النقد الصحفي المشروع والانزلاق إلى منطق الخصومة السياسية المباشرة.
لا خلاف في أن من حق أي صحفي أن يحلل وينتقد أداء الأحزاب السياسية وقادتها، وأن يختلف معهم بحدة أحيانًا. غير أن هذا الحق يظل مؤطرًا بقواعد مهنية وأخلاقية متعارف عليها، تقوم على احترام الوقائع، والالتزام بلغة رصينة، والابتعاد عن الشتم والنعوت القدحية، احترامًا للمهنة أولًا، وللمتلقي ثانيًا.
الخرجة الأخيرة للسيد بوعشرين لم تلتزم بهذه القواعد. فاللغة المستعملة، من قبيل توصيف السيدة المنصوري بـ«النكافة»، ونعت حزب الأصالة والمعاصرة بـ«الحزب الهجين» و«تكتل المليارديرات» و«الحزب الميت»، لا تنتمي إلى قاموس التحليل الصحفي، بقدر ما تحيل إلى خطاب خصم سياسي مباشر، يستبدل الحُجّة بالتهكم، والقراءة النقدية بالتجريح.
وليس هذا الخطاب جديدًا على بوعشرين، إذ دأب منذ سنوات على اعتماد سردية واحدة في تعاطيه مع حزب الأصالة والمعاصرة.
كتب أنه حزب مات ولم يمت، وتوقع انهياره انتخابيًا ولم ينهَر، وادعى أن مناضليه تخلّوا عنه، بينما ظل حاضرًا في المشهد السياسي والمؤسساتي. كل تلك التوقعات، على اختلاف صيغها، كذّبتها الوقائع.
بل تجاوز الأمر حدود النقد السياسي إلى تعميمات جهوية خطيرة، حين جرى الحديث عن “سيطرة” منطقة بعينها على الحزب، ومهاجمة الريفيين، بل واتهام الحزب بإشعال أحداث اجتماعية معقدة. وهي ادعاءات ظلّت، بدورها، دون سند موضوعي، وسقطت أمام تعقيد الواقع وتشابك عوامله.
ومؤخرًا، حاول بوعشرين أن يمنح خطابه طابعًا استشرافيًا، عبر التنبؤ بترتيب انتخابي يستبعد حزب الأصالة والمعاصرة من المراتب الأولى، مع اعتماد قراءة انتقائية للأداء الحكومي لبعض وزرائه، تُبرز ما يخدم الخلاصة المسبقة، وتغفل ما عدا ذلك.
هذا الانتقاء لا يعكس حرصًا على تحليل متوازن، بقدر ما يؤكد أن الهدف لم يعد فهم المشهد الحزبي، بل الاستمرار في مهاجمة حزب بعينه والتقليل من وزنه ومكانته.
وفي هذه الخرجة الأخيرة، ظل بوعشرين أسير سردية استُهلكت، مفادها أن حزب الأصالة والمعاصرة أُنشئ فقط لمحاربة الإسلاميين.
وهي أطروحة، مهما جرى تكرارها، لم تعد قادرة على تفسير مسار حزب خاض استحقاقات انتخابية متعددة، واشتغل داخل المؤسسات، ونال ثقة شرائح واسعة من الناخبين في محطات جماعية، وجهوية، ومهنية، وبرلمانية.
إن النقد الجاد لا يُبنى على النعوت، ولا على تصفية الحسابات، ولا على إعادة تدوير سرديات تجاوزهـا الزمن. النقد الحقيقي يفترض الاعتراف بالوقائع، حتى عند الاختلاف معها، واحترام ذكاء المتلقي، والتمييز الواضح بين الموقف السياسي الشخصي والتحليل الصحفي المسؤول.
وحين يفقد الصحفي هذه المسافة الضرورية، يتحول خطابه من رأيٍ قابل للنقاش إلى خصومة مكشوفة المقاصد، ويخسر النقاش العمومي أحد شروطه الأساسية: الجدية والإنصاف
