ولاعة

*فنجان بدون سكر:* 

 ولاعة

 *بقلم: عبدالهادي بريويك* 

في أحج إلى المقهى كأنني أؤدي طقسا سريا لا يعرفه غيري.

كان يوم السبت موعدا ثابتا،أن لم تمحبه ضرورة المهنة، وكان هو هناك دائما… رجل كبير، تتكئ السنوات على كتفيه، وما إن أدخل حتى يرفع نظره نحوي مبتسما ويقول:

“ولاعة…”

صارت الكلمة بيننا تحية مختصرة، وعهدا غير مكتوب.

أمد يدي، فيشعل سيجارته، ويعود إلى جريدته الفرنسية Le Matin، يغوص بين السطور كما لو كان ينقّب عن شيءٍ ضاع منه منذ زمن.

ذاتَ صباح، نسيت ولاعتي عنده.

لم ألق بالا للأمر، فالسبت آت لا ريب فيه، وهو سيكون في طاولته المعهودة، قرب النافذة، حيث يتسلل الضوء ليصافح شيبه الوقور.

لكنني حين عدت… لم يكن هناك.

مرّت سبوتات وأسبات( معتذرا لم اجد جمعا السبت ) والطاولة ظلت خالية إلا من صمت ثقيل.

سألت نادل المقهى عنه، وقلبي يتعلق بإجابةٍ عابرة.

خفض النادل رأسه وقال:

“رحم الله الحاج عبدالسلام… لكنه ترك لي ولاعتك.”

حينها أدركت أن بعض الأشياء الصغيرة — كولاعةٍ منسية — قد تصير آخر ما يبقى لنا من الناس.

وأن النار التي كنا نظنها لإشعال سيجارة، قد كانت تبقي ذكرى حية… إلى أن انطفأت.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*