السياسة بين فراغ الخطاب وواجب المعنى… مقاربة فكرية بين “ناشئة الكتاب” و”طموح الحمامة

فنجان بدون سكر:

السياسة بين فراغ الخطاب وواجب المعنى

مقاربة فكرية بين “ناشئة الكتاب” و”طموح الحمامة”

بقلم: عبد الهادي بريويك

لا يمكن قراءة المشهد السياسي المغربي اليوم دون التوقف عند التباين الصارخ في “بروفايلات” النخب الصاعدة، وهو التباين الذي يتجاوز مجرد الانتماء الحزبي ليمس جوهر التكوين الأيديولوجي وأدب التواصل الديموقراطي.

وأنا أتابع البرنامج الاذاعي على أثير امواج الإذاعة الوطنية في مناظرة جمعت بين سعيد اقداد عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية و يوسف شيري عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار حول ” الحصيلة الحكومية في المجال الاقتصادي” مساء يوم الاربعاء 22 ابريل 2026، وهما الاثنين من ابناء العاصمة السينمائية ورزازات ، أجدني أمام مفارقة عجيبة: وجوه تدعي الحداثة التدبيرية لكنها تسقط في فخ “الخواء التواصلي”، مقابل أطر شابة ترعرعت في كنف “حزب الكتاب”، حيث السياسة ليست مجرد منصب، بل هي تراكم معرفي وسلوك أخلاقي رفيع.

أزمة الجعبة الخاوية.. حين يغيب الزاد المعرفي

يلفت انتباهي في البرامج الحوارية ممثلون لبعض الأحزاب -وعلى رأسهم ناشئة “حزب الحمامة”- الذين تبدو جعبتهم في كثير من المحطات خاوية من أي حمولة فكرية.

خطابهم مرتبك، وأفكارهم مشتتة، وكأن السياسة لديهم مجرد “حضور صوتي” يعتمد على الشعارات التقنية الجافة التي تفتقر إلى الروح السياسية.

هنا، تظهر الفجوة؛ فغياب التكوين الرصين يؤدي حتما إلى لغة عاجزة عن مخاطبة ذكاء الشعب المغربي، خطاب يختبئ وراء الأرقام الصماء ليداري عجزا في الرؤية الشمولية.

مدرسة “الكتاب”: انتصار التكوين وأدب الحوار

في المقابل، يبرز أطر حزب التقدم والاشتراكية كنموذج للمثقف العضوي الذي يزاوج بين ضبط المعطيات وسمو الأخلاق.

إن تفوق “ناشئة الكتاب” ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج مدرسة عريقة تؤمن بأن:

المعرفة تسبق الممارسة: فلا سياسة بدون قراءة سوسيولوجية وتاريخية للمجتمع.

أدب الحوار فن: 

حيث يتحول النقاش معهم من صراع حول “المصالح” إلى تدافع حول “الأفكار”، مع احترام مقدس للرأي الآخر.

الواقعية المسؤولة: 

خطابهم لا يبيع الأوهام، بل يشرح التعقيدات بلغة تواصلية بليغة تجمع بين رصانة النخبة وبساطة القرب من الجماهير.

“إن السياسة ليست مجرد ممارسة شكلية، بل هي اختبار مستمر للضمير؛ فحين يغيب التكوين يحضر الارتجال، وحين تغيب الرؤية يسود التكرار الممل.”

بين “التسويق السياسي” وعمق “المشروع المجتمعي

يضعنا المشهد اليوم أمام خيارين:

خطاب “الحمامة”: الذي يميل غالبا نحو “النيولبرالية التواصلية” حيث التركيز على الصورة، أكثر من المضمون، مما يجعل السياسي يبدو “منفذا” لا “مفكرا”.

خطاب “الكتاب”: الذي يصر على استعادة “واجب المعنى”، حيث تظل السياسة أداة تنوير لا وسيلة استعراض، وحيث الحوار هو جسر لبناء وعي جماعي لا مجرد حلبة للمزايدات.

الرهان على الوعي

إن المواطن المغربي المعاصر لم يعد يكتفي بالوعود، بل يبحث عن “السياسي المفكر” الذي يقرأ ويفهم ثم يخاطب القلوب والعقول بصدق.

الأمل معقود على تلك الأصوات الجادة التي تمثلها مدرسة التقدم والاشتراكية، والتي تبرهن يوما بعد يوم أن السياسة تظل “فنا نبيلا” يترفع عن الضجيج، وينتصر للعمق والمعرفة.

في نهاية هذا الفنجان (بدون سكر)، تظل السياسة مرآة: قد تعكس فراغ “التكنوقراط”، أو تعكس عمق “المثقف الملتزم”. والوعي الشعبي هو الحكم الوحيد القادر على التمييز بين بريق الزجاج وصلابة الماس.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*