استشراق انتخابي: حين تُهان البادية في خطاب سياسي
كتبها: الاستاذ ميلود الهاشمي
لم يكن تصريح السيد إدريس اليزمي، الوزير السابق والقيادي في حزب العدالة والتنمية، مجرد زلة لسان عابرة، بل كان كاشفاً لمخزون رمزي مقلق، يعيد إنتاج نظرة متعالية تجاه البادية، ويختزلها في صورة كاريكاتورية لا تليق لا بالمجال ولا بساكنته.
أن يُختصر فضاء الصخيرات–تمارة في “أسواق أسبوعية” و“الشواء”، فذلك ليس فقط تبسيطاً مخلّاً، بل إهانة صريحة لمجتمع حيّ، متنوع، ومتشابك المصالح والتحولات.
هذا النوع من الخطاب لا يشي بجهل بالمنطقة فقط، بل يكشف عن ذهنية ترى في البادية مجرد خلفية فولكلورية تُستدعى عند الحاجة الانتخابية، ثم تُرمى جانباً.
الأخطر من ذلك أن هذا التصور يعيد، بشكل فجّ، إنتاج نفس القاموس الذي استعملته الكتابات الاستعمارية لوصف المغرب.
حين كتب والتر هاريس أو رسم أوجين دولاكروا، لم يكونا يصفان فقط، بل كانا يبنيان صورة: مغرب جامد، غريب، خارج الزمن.
صورة تُسهّل الهيمنة وتُبرّر الوصاية.
وقد فضح إدوارد سعيد هذا المنطق في الاستشراق باعتباره خطاباً للسلطة قبل أن يكون خطاباً للمعرفة.
اليوم، وبكل أسف، لا يأتي هذا الخطاب من “الآخر” الخارجي، بل من داخل الحقل السياسي نفسه.
حين يعجز السياسي عن تقديم مشروع، يلجأ إلى الصور الجاهزة.
وحين يجهل تعقيد المجال، يستدعي أبسط clichés. وهكذا تتحول البادية، مرة أخرى، إلى “فرجة” في خطاب من يفترض أنه يسعى لتمثيلها.
لكن ما فات صاحب هذا التصريح، أن البادية التي يتحدث عنها لم تعد تلك التي يتخيلها.
الصخيرات–تمارة ليست هامشاً، وليست ديكوراً انتخابياً. هي مجال حيّ، يعرف ديناميات اقتصادية واجتماعية عميقة، ويضم مواطنين لا ينتظرون من يصفهم، بل من يفهمهم ويدافع عن مصالحهم.
ثم إن هذا الخطاب يوقظ ذاكرة سياسية ثقيلة.
ذاكرة مرحلة كان فيها رسم الخرائط الانتخابية يتم بمنطق التحكم، في زمن وزير الداخلية المخلوع ، حيث كانت بعض الدوائر تُفصّل على المقاس.
فهل نحن أمام مجرد ترشح، أم أمام إعادة إنتاج نفس الذهنية، ولكن بلغة مختلفة؟
الحقيقة أن أخطر ما في هذا التصريح ليس ما قيل، بل ما يكشفه: قطيعة بين الخطاب السياسي والواقع، واستمرار لنظرة دونية تجاه مجالات بأكملها من الوطن.
وهو أمر لا يمكن القبول به في مغرب اليوم.
لأن الناخب لم يعد ساذجاً.
ولأن البادية ليست موضوعاً للسخرية أو التبسيط.
ولأن من لا يرى في الناس إلا “سوقاً وشواء”، لن يرى فيهم أبداً مواطنين يستحقون التمثيل.
