تفريخ الهياكل وتزييف التمثيلية: هل تحول “مغاربة العالم” إلى سجل تجاري؟
كتبها: جمال الدين ريان
إن المتأمل في المشهد المؤسساتي والجمعوي لما يُصطلح عليه بـ “مغاربة العالم” يدرك بوضوح أننا لسنا أمام حركية مدنية طبيعية، بل أمام عملية “تفريخ” اصطناعية وممنهجة لهيئات وجامعات وجمعيات “كفاءات” تولد وفي فمها ملعقة من ريع الوعود، لتموت سريرياً بمجرد انتهاء صورة تذكارية أو جولة سياحية مغلفة بـ “الوطنية”.
إن هذا التكاثر الفطري للكيانات الكرتونية ليس صدفة، بل هو تجسيد لسياسة “التشتيت بغرض الضبط”، حيث يُراد تحويل كتلة بشرية وازنة وقوة اقتراحية هائلة إلى جزيئات متناثرة تتصارع على فتات الشرعية المتوهمة، مما يخدم بالدرجة الأولى أجندات التهميش المقصود للطاقات الجادة والمستقلة.
لقد أصبحت عبارة “كفاءات المهجر” تعويذة تُستخدم لفتح الأبواب الموصدة، لكنها في الواقع تحولت إلى قناع يختبئ خلفه “سماسرة السياسة” الذين يتقنون فن الواجهة ويفتقرون لعمق التأثير في دول الإقامة أو في أرض الوطن. هذا التفريخ العشوائي يهدف أساساً إلى خلق بدائل “مروضة” ومستنسخة، تُجيد لغة التصفيق والمباركة، لتسد الطريق على العقول الوازنة التي ترفض أن تكون مجرد “ديكور” في محافل رسمية تفتقر للنتائج الملموسة.
إنها سياسة تفتيت الكتلة الحرجة لمغاربة العالم، لضمان عدم بروز قيادات حقيقية قادرة على المساءلة أو فرض أجندة تنموية تشاركية حقيقية، واستبدالها بجيش من “رؤساء الجمعيات” الذين لا يمثلون إلا أنفسهم ومصالحهم الضيقة.
إن التهميش هنا ليس مجرد إهمال، بل هو فعل إرادي يسعى إلى إغراق الساحة بالضجيج والمبادرات الصورية لتعطيل أي جهد جاد لبناء جسور مؤسساتية قوية وشفافة.
فبدل أن تكون هذه الجمعيات رافعة للتأثير في مراكز القرار الدولية لصالح القضايا الوطنية، تحولت إلى منصات للوجاهة الاجتماعية والبحث عن الامتيازات، مما أدى إلى فقدان الثقة لدى الأجيال الجديدة من أبناء الجالية الذين يرون في هذه الهياكل تجسيداً للبيروقراطية والانتهازية التي حاولوا الهروب منها.
إن استمرار هذا النهج في “تفريخ” الكيانات الوهمية هو طعنة في خاصرة الارتباط الوجداني للمغاربة بوطنهم، وتحويل لملف استراتيجي حساس إلى مجرد “غنائم” توزع لإسكات الأصوات أو تلميع الصور، في وقت يحتاج فيه المغرب لذكاء جماعي حقيقي يقطع مع زمن “الولاءات المصطنعة” لصالح “الكفاءة الميدانية” الصادقة.
