خلف جدران “الفضيحة”: عن هوس التشهير ودموع الشوارع المنسية.

خلف جدران “الفضيحة”: عن هوس التشهير ودموع الشوارع المنسية.
كتبها: جمال الدين ريان

​تستيقظ منصات التواصل الاجتماعي في بلادنا كل يوم على “وليمة” جديدة.

لحم بشري طازج يُعرض في سوق المزايدات الأخلاقية، والكل يتحول فجأة إلى قاضٍ، وجلاد، ومصلح اجتماعي. آخر هذه الولائم المقززة هي موجة الكتابات، والتدوينات، والتعليقات التي تنهش في فتاة الدار البيضاء لمجرد أن مقطعًا صُور لها في وضعية معينة مع شخص من جنسية إفريقية.
​الكل سارع إلى الركض خلف “التريند”.

سال لعاب صناع المحتوى للحصول على المشاهدات، وتسابق أشباه المثقفين لتحليل “سقوط القيم”، وتحولت المنصات إلى ساحة تشهير جماعي مقرف لا يمت للأخلاق ولا للإنسانية بصلة.
​ولكن، دعونا ننزع قناع النفاق هذا لثوانٍ وننظر إلى المرآة: عن أي شرف تتحدثون في مجتمع يغض الطرف عن الكارثة الحقيقية؟
​النفاق الاجتماعي في أبهى تجلياته
​إن هذا الهوس المرضي بتتبع عورات النساء، وتحديدًا عندما يتعلق الأمر بجنسيات أخرى، يعري عقدًا نفسية واجتماعية عميقة.

يترك الجميع أصل المشكلة ويمسكون في “الفضيحة” لأنها تبيع أكثر، ولأنها تمنح العقول الفارغة شعورًا زائفًا بالفضيلة والتفوق الأخلاقي.
​الحقيقة المرة: المجتمع الذي يغلي غضبًا من مقطع فيديو مدته دقيقتان، هو نفسه المجتمع الذي يمر يوميًا فوق أجساد فتيات الشوارع الصغيرات المفترشات للكرتون دون أن يرف له جفن.
​القضية الحقيقية: فتيات الشوارع والضياع الصامت
​بدل هذا السعار الرقمي والتشهير الأعمى، ألم يكن أولى بنا أن نتساءل: كيف تصل فتاة إلى ذلك الوضع؟
​إن المشكلة الحقيقية التي تستحق الحبر، والنقاش، والغضب العارم ليست الممارسات الفردية، بل هي ظاهرة فتيات الشوارع؛ تلك القنابل الموقوتة التي نمر بجانبها في شوارع الدار البيضاء وغيرها من المدن كل ليلة:
​الطفولة المستباحة: فتيات في عمر الزهور بلا مأوى، بلا حماية، وبلا أفق.
​الاستغلال الممنهج: فتيات يعشن تحت رحمة الذئاب البشرية، والبرد، والجوع، والمخدرات.
​غياب المؤسسات: ضعف شبكات الأمان الاجتماعي وغياب دور الرعاية الحقيقية التي تنتشل هؤلاء الضحايا قبل أن يبتلعهن الشارع بالكامل.
​الشوارع ممتلئة بفتيات يمارس ضدهن “الجنس” والاغتصاب والابتزاز يوميًا قسرًا وقهرًا تحت جنح الظلام، فلماذا لا نرى هذا الغضب العارم يترجم إلى حملات لإنقاذهن؟ أين تذهب هذه “الغيرة” المصطنعة عندما يتعلق الأمر بطفلة مشردة تبحث عن لقمة عيش أو غطاء يقيها زمهرير الليل؟
​كفى استعراضًا.. لنغير البوصلة
​التشهير بفتاة، أيًا كانت خلفية قصتها، هو سلوك جبان يهرب بالنقاش بعيدًا عن الوجع الحقيقي.

إن أردتم مجتمعًا فاضلًا حقًا، فوجهوا أقلامكم وصراخكم نحو:
​المطالبة بحلول جذرية لظاهرة أطفال وفتيات الشوارع.
​حماية الفئات الهشة من الاستغلال.
​معاقبة المبتزين ومصوري الضمائر الميتة الذين ينتهكون الحرمات لأجل “اللايكات”.
​توقفوا عن ممارسة دور “حراس الفضيلة” على حساب جراح الآخرين، والتفتوا إلى الشوارع التي تنزف بشرًا وضياعًا أمام أعينكم كل يوم.

البؤس الحقيقي ليس في الفيديو، البؤس الحقيقي في عقولنا التي ترى العرض الإباحي في كل شيء، وتعمى عن رؤية المأساة الإنسانية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*