بين رماد بني جبارة بشفشاون وسيول أغبالو: سياسة “الكيل بمكيالين” وفصل جديد من الركوب الانتخابي على المعاناة.
بين رماد بني جبارة بشفشاون وسيول أغبالو: سياسة “الكيل بمكيالين” وفصل جديد من الركوب الانتخابي على المعاناة.
كتبها: جمال الدين ريان
لم يكن غريباً على مغرب الهوامش أن يجد نفسه مجدداً ضحية لتصنيفات إدارية جائرة تفرّق بين “كارثة تحظى بالدعم واللجان” و”نكبة تُترك للنسيان والرماد”.
إن المقارنة بين حرائق غابات بني جبارة بإقليم شفشاون وفيضانات أغبالو بإقليم شفشاون، لا تكشف فقط عن تباين الطبيعة الجغرافية والبيئية للحدثين، بل تعرّي واقعاً مأزوماً في حكامة الأزمات، وتطرح علامات استفهام حارقة حول غياب آليات التعويض، وعودة وجوه العمل السياسي للركوب على مآسي المواطنين.
الجغرافيا تحترق والغابات تباد: أين لجان التعويض؟
بينما تحركت الآلة الرسمية في محطات سابقة لإنشاء صناديق دعم ولجان استثنائية لإعادة الإعمار (كما حدث في فيضانات الجنوب الشرقي أو زلزال الحوز)، طُوق ملف حرائق بني جبارة في إقليم شفشاون بصمت مريب.
الحريق لم يكن مجرد خسارة لغطاء نباتي، بل كان إبادة حقيقية لركائز الاقتصاد المعيشي لساكنة الجبل؛ تبخرت أشجار الزيتون والتين التي استغرقت عقوداً لتنمو، وتحولت مصادر رزق مئات الأسر إلى رماد في وضح النهار.
فلماذا لم تؤسس أي لجنة رسمية لجبر الضرر والتعويض المباشر للفلاحين؟
الجواب يكمن في البيروقراطية الإدارية التي ما زالت تصنف حريق شفشاون كـ”حادث دوري” يُدبر محلياً وإقليمياً عبر روتينات “لجان اليقظة” التي لا تملك ميزانيات الدعم المباشر، بدلاً من إعلان المنطقة “منكوبة” بمرسوم حكومي يفعل مقتضيات صندوق مكافحة الآثار الناجمة عن الكوارث الطبيعية. هذا التقاعس الهيكلي يكرس مبدأ التخلي ويترك المواطن البسيط في مواجهة مباشرة مع فقر التضاريس وفقر البدائل التنموية.
المفارقة الصارخة: سيول جارفة في أغبالو ورماد منسي في بني جبارة بشفشاون
في المقابل، جاءت فيضانات أغبالو لتعمق الجرح وتظهر وجهاً آخر للأزمة: انهيار البنية التحتية، جرف الأراضي المحاذية للمجاري المائية، وعزل مداشر كاملة عن العالم الخارجي.
بينما كانت الساكنة في أغبالو تصارع العزلة والدمار البنيوي لطرقاتها وقناطرها، كانت ساكنة بني جبارة في شفشاون تصارع تدمير المستقبل الاقتصادي لأبنائها.
ورغم اختلاف طبيعة الكارثتين —بين مياه جرفت المسالك ونيران التهمت الأرزاق— فإن النتيجة التدبيرية كانت واحدة: غياب رؤية استراتيجية وطنية قادرة علىع التدخل الآني لإعادة الحياة إلى هذه المناطق خارج منطق “الترقيع والمساعدات الظرفية”.
زيارات اللجنة: تضامن إنساني أم ركوب انتخابي مسبق الصنع؟
المشهد الأكثر إثارة للجدل والحنق في آن واحد، هو المشهد السياسي الذي تلا هذه الأزمات.
فلماذا اقتصرت الزيارات الميدانية على أحزاب المعارضة في غياب شبه تام لممثلي الأغلبية الحكومية والقطاعات الوزارية الوصية؟
هذا الغياب الحكومي يعكس هروباً واضحاً من المسؤولية السياسية والمواجهة المباشرة مع غضب المتضررين.
لكن في المقابل، فإن تقاطر أعضاء اللجنة على مناطق الرماد والسيول يطرح تساؤلات مشروعة حول الدوافع الحقيقية: هل نحن أمام تضامن مبدئي وترافع حقيقي تحت قبة البرلمان، أم أنها مجرد حملة انتخابية سابقة لأوانها للركوب المصلحي على معاناة المستضعفين؟
إن تحويل مآسي المواطنين، الذين فقدوا بيوتهم وأشجارهم ومسالكهم، إلى “خلفيات لالتقاط الصور”وإصدار بيانات الشجب الحزبية، هو تكريس لسياسة الانتهازية التي أفقدت المواطن الثقة في المنظومة السياسية برمتها. الساكنة المحاصرة بالفيضانات في أغبالو، أو المحروقة بنيران بني جبارة في شفشاون، لا تحتاج إلى وعود شفوية من أحزاب تبحث عن مقاعد إضافية، بل تحتاج إلىu جرافات تعيد فتح الطرق، ودعم مالي مباشر يعيد غرس الأرض، وقرارات سيادية تعوضهم عن سنوات الصبر والتهميش.
خاتمة: القطع مع سياسة “إطفاء الحرائق”
إن ما يحدث في إقليم شفشاون هو صرخة في وجه التهميش المجالي. لقد حان الوقت لتتوقف الدولة عن تدبير الأزمات بمنطق “إطفاء الحرائق” لحظة اشتعالها ثم نسيانها. إن كرامة المواطن في جبال الريف ليس ورقة للمزايدات السياسية بين الأغلبية والمعارضة، والعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا بفرض لجان تحقيق وتعويض صارمة تعيد الحقوق لأصحابها، بعيداً عن حسابات صناديق الاقتراع الضيقة.
