التدليس كمدخل للتشريع…

التدليس كمدخل للتشريع.

كتبها: الأستاذ شقران أمام

كنائب برلماني و رئيس فريق في الولاية التشريعية السابقة، عشت محطات اتسمت بنقاش طويل ، عميق ، و مؤسس على معطيات و دراسات واضحة ، أثناء دراسة و مناقشة عدد من مشاريع القوانين ..

و في مناسبات عديدة ، و أمام أهمية النص القانوني و آثاره ، كان منطق الاحتكام للتوافق ، دون أي ضغط مرتبط بالزمن التشريعي ، حاضرا و بقوة ، لغاية واحدة هي تحقيق نوع من القبول المجتمعي للنص المصادق عليه بعيدا عن أي حسابات سياسوية ضيقة … و في نفس الولاية التشريعية كان النقاش المرتبط بالقانون المنظم لمهنة المحاماة حاضرا ، و كانت الارادات تنصب نحو نص قانوني يكون ثمرة فعل تشاركي مع كافة المعنيين به ، و خصوصا جسم المحاماة .. كان الوعي بأهمية إنضاج شروط نص متوافق عليه حاضرا ، و سار الوزيران المتعاقبان على قطاع العدل على نفس النهج ، إدراكا لأهمية الفعل التشاركي كتجسيد للديمقراطية التشاركية التي تشكل روح الدستور المغربي لسنة 2011، و كانت الفكرة ان لا يحال مشروع القانون على البرلمان قبل إنضاج كل ما يرتبط به..

ما بين الامس و اليوم ، يكاد المرء يقف مصدوما أمام الواقع الذي وصلت إليه بعض المؤسسات ، و بعض المسؤولين ببلادنا ، سواء من حيث تمثل المسؤولية ، أو من حيث صورة الدولة بما هي تعالي نبيل عن مزاجية الاشخاص و شطحات الفعل المؤسس على الضغينة و الكراهية …

هل يعقل أن يكون التدليس مدخلا للتشريع ؟ و أن تصبح الشعبوية ، في صورتها الخبيثة ، و معها الاكاذيب و الاشاعات منهجا حكوميا لتمرير نص قانوني ما ؟ هل من مصلحة الوطن مغالطة الرأي العام لخلق واقع ضبابي في فهمه و إدراكه لنص يتجاوز فئة المحامين ليمس في الصميم سؤال الحقوق و الحريات ببلادنا؟ ثم ، و هنا مربط الفرس ، ما المراد حقا من مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة ، و آثار ذلك على العدالة ، ثم بعدها كل ما هو اقتصادي و اجتماعي في وطننا الحبيب؟

لعل ما يجب الانتباه إليه في خضم هذا الواقع المتسم بالهرولة التشريعية ، و سعي وزير العدل إلى تمرير مشروع قانون لا دستوري ، بناء على مغالطات و معطيات خاطئة و حسابات التفرقة بين أسرة العدالة ، لعل ما يجب الانتباه إليه ، أن التشريع بات يفقد ضوابطه الموضوعية لا من حيث القراءة الجيدة للنص و التعديلات المفترض ادخالها عليه ، و لا من حيث دراسة الاثر التشريعي ، و لا من حيث التعاطي المسؤول مع ملاحظات الفاعلين المباشرين في علاقة بالنص قيد الدراسة ، بحيث تحول الامر إلى مجرد تماه غريب مع تدليس مدروس في بسط المعطيات أمام المشرع … 

هو أمر نبه إليه المحامون من خلال مؤسساتهم المهنية بكل وضوح و مسؤولية ، و من منطلق الوعي التام بأهمية الفعل التشاركي ، ليس دفاعا فئوية عن اصحاب البدلة السوداء ، و لكن عن مصلحة الوطن و المواطن باعتبار العدالة ركيزة أساسية لأي إصلاح .

و اليوم ، و في مسارات النضال من أجل الحفاظ على استقلالية مهنة المحاماة ، لا يشكل التوقف التام عن تقديم الخدمات المهنية مجرد شكل من أشكال الرفض و الاحتجاج لمشروع قانوني يراد تمريره بأي وسيلة ، و لكن بنوع من الواجب تجاه وطن يريد البعض التحكم في مفاصل تحولاته ، و مواطن لا يمكن أبدا القبول بالمساس بحقوقه و حرياته…. عادة يطرح السؤال : ألا يوجد بين صناع هذا العبث عاقل؟ و الجواب ان صوت العقل لا شك سيسمع في اللحظة المناسبة .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*