منطقة شمال المغرب … ازدحام المصطافين وهروب اليائسين

منطقة شمال المغرب 

  ازدحام المصطافين وهروب اليائسين

كتبها: محمد الروحلي 

  في عز فصل الصيف، أبت منطقة الشمال إلا أن تخطف الأنظار، وأن تقدم، في الوقت نفسه، صورة شديدة التناقض عن مغرب، يتقدم في أكثر من واجهة، لكنه ما يزال عاجزاً عن معالجة اختلالات اجتماعية ومجالية تفرض نفسها بقوة.    

  الصورة الأولى، وهي الأكثر إيلاماً، تتمثل في مشاهد النزوح الجماعي، نحو مدينة سبتة المحتلة، في محاولات يائسة لشباب وشابات في مقتبل العمر، للعبور إلى الضفة الأخرى، بحثاً عن فرصة للحياة وعن أفق يفتقدونه في واقعهم. إنها صورة مؤسفة ومقلقة، لا ينبغي اختزالها في سلوك فردي، أو في نزوة عابرة، لأنها تكشف عن شعور عميق باليأس وانسداد الأفق لدى فئة من الشباب، وتطرح أسئلة صعبة حول السياسات الحكومية، وقدرتها على تحقيق العدالة المجالية، وخلق فرص حقيقية تحفظ للشباب كرامتهم وأملهم في المستقبل.     

   وفي الجهة المقابلة، تقدم المنطقة نفسها صورة أخرى مختلفة تماماً.

مدن الشمال، بشواطئها ومؤهلاتها الطبيعية والسياحية، تستقطب خلال فصل الصيف مئات الآلاف من المواطنين القادمين من مختلف مناطق المملكة، بحثاً عن الراحة والاستمتاع بجمال المنطقة.

إقبال يؤكد أن الشمال يتوفر على مؤهلات سياحية واقتصادية هائلة، وأنه قادر على لعب دور أكبر في التنمية الوطنية.  

    لكن المفارقة أن هذا النجاح السياحي يتحول، كل صيف، إلى امتحان عسير يكشف محدودية البنيات التحتية، وضعف قدرة عدد من المدن على استيعاب هذا التدفق الكبير للزوار، والسبب سوء تدبير صارخ، من طرف المجالس الجماعية…  

   فخلال شهري يوليوز وغشت تحديداً، يتحول الإقبال الكبير إلى اكتظاظ خانق، وتظهر محدودية التجهيزات، والمرافق بشكل واضح. مواقف السيارات، لا تستوعب الأعداد المتزايدة، والمرافق الصحية تظل دون مستوى الحاجة، وبعض المطاعم والمرافق التجارية، تجد نفسها عاجزة عن مواكبة الطلب، بينما تظل مراقبة جودة وسلامة الأغذية، والأسعار في حاجة إلى صرامة أكبر.  

    والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا التدفق السياحي، الذي يفترض أن يشكل فرصة اقتصادية ثمينة للمنطقة، ولأصحاب الأنشطة التجارية والسياحية، لا ينعكس بالقدر المطلوب على مستوى جودة الخدمات، والمرافق العمومية. وكأن المدن مطالبة باستقبال ملايين الزوار، دون أن تكون قد هيأت نفسها بنية لاستقبال لائقة.  

   ثم تأتي معضلة الأسعار، حيث يتحول الموسم الصيفي لدى البعض، إلى مناسبة لرفعها بشكل مبالغ فيه، مستفيدين من كثافة الإقبال ومن منطق “فترة لا تتكرر”.

وهو سلوك يضر بصورة المنطقة، ويجعل السائح الداخلي، الذي يفترض أن يكون شريكاً في تنشيط الاقتصاد المحلي، يشعر أحياناً بأنه مجرد فرصة لتحقيق أرباح سريعة، وضحية استغلال فادح…  

   المسألة، إذن، ليست في كون مدن الشمال، تعرف إقبالاً متزايدا؛ المشكلة أن التخطيط لا يبدو في مستوى هذا الإقبال، وأن تدبير موسم الصيف ما يزال يتم بمنطق رد الفعل، بدل الاستعداد المسبق والاستثمار في البنيات والمرافق والخدمات الأساسية…  

    ومع ذلك، هناك نقطة مضيئة تستحق التنويه، وهي الحضور الأمني والتنظيم الجيد لحركة السير والجولان. فرغم الضغط الكبير الذي تعرفه الطرق والمسالك، خلال هذه الفترة، يبذل رجال الأمن مجهوداً واضحاً لتأمين حركة المرور، وتسهيل عملية السير بمهنية عالية، في مواجهة سلوكيات متهورة تصدر أحياناً عن بعض السائقين، خصوصاً من فئة الشباب، ومن بينهم أصحاب السيارات المرقمة بالخارج، حيث تتحول بعض الطرق إلى فضاء لاستعراض غير مسؤول، وسرعة فائقة، لا تراعي سلامة الآخرين.     

  هكذا يقدم الشمال، في عز الصيف، صورتين متناقضتين: شباب يغامرون بحياتهم بحثاً عن ضفة أخرى، يرون فيها مستقبلاً أفضل، ومدن تستقبل مواطنين من مختلف أنحاء المغرب، بحثاً عن لحظات من الراحة والاستمتاع بجمال المدن وشواطئها الرائعة…   

   وبين الصورتين سؤال أكبر من موسم صيفي عابر: كيف يمكن لمنطقة تتوفر على كل هذه المؤهلات الطبيعية والسياحية، وتستقطب هذا الحجم من الزوار، أن تظل عاجزة عن توفير الحد الأدنى من شروط الاستقبال اللائق؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن مغرب صاعد ومتوازن، بينما ما تزال مظاهر الفقر واليأس، وانسداد الأفق تطارد جزءاً من شبابه في منطقة لا تبعد سوى أمتار عن أوروبا؟  

   الشمال لا يحتاج إلى مزيد من التعامل المناسباتي، بقدر ما يحتاج إلى تخطيط حقيقي، واستثمارات مستدامة، وعدالة مجالية، وحكامة محلية تضع مصلحة المواطن والزائر فوق الحسابات الضيقة. فالمؤهلات موجودة، والزوار موجودون، والفرص الاقتصادية موجودة أيضاً؛ وما ينقص هو أن تكون الحكامة في مستوى هذه المميزات التي تجعل الاقبال يفوق كل التوقعات.. .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*