حين يتكلم الحمار: أنثروبولوجيا السلطة في المغرب
بقلم: نادية واكرار
قد لا يكون الحمار هو الكائن الذي ينبغي أن نخجل من مقارنته بالإنسان.
ربما علينا، بدلًا من ذلك، أن نقلب السؤال كله: إذا كان الحمار يعرف من يقوده، ويعرف ثقل الحمل، ويعرف متى يتوقف، فلماذا يواصل الإنسان حمل أثقال لا يسأل عن مصدرها، والتصفيق لمن يقوده، ثم يسمي ذلك كله سياسة؟؟؟
قد يبدو السؤال ساخرًا …أوربما قاسيًا… لكنه في جوهره ليس عن الحمار إطلاقًا بل إنه عن الإنسان حين يدخل عالم السلطة، وعن المواطن حين تتحول السياسة في وعيه من مجال للمساءلة والاختيار إلى مجال للولاء والانتظار والاقتراب من أصحاب النفوذ.
إنه سؤال عن تلك المنطقة الرمادية التي تختلط فيها السياسة بالثقافة، والمؤسسة بالشخص، والمواطنة بالتبعية، والكفاءة بالقرب، والاختيار بالحاجة…
ولعل الأدب هو أكثر المجالات قدرة على كشف هذه المنطقة الرمادية، لأنه لا يحتاج دائمًا إلى تسمية الأشياء بأسمائها. فيكفينا أحيانًا أن نمنح الحيوان صوتًا كي يصبح الإنسان مضطرًا إلى سماع نفسه.
ففي رواية «حماري وأنا» عند جميل السلحوت، كما في «بلاتيرو وأنا» عند خوان رامون خيمينيث، لا يحضر الحمار بوصفه مجرد كائن سردي… تختلف التجربتان في اللغة والغاية والبناء؛ فبلاتيرو عند خيمينيث رفيق للروح والذاكرة والطبيعة والموت، بينما يستثمر السلحوت الحمار في بناء مفارقة ساخرة تسمح بانتقاد المجتمع وتناقضاته.
لكن بين التجربتين تلتقي وظيفة أكثر عمقًا: الحمار يصبح «آخرًا» يقف خارج النظام البشري، ولذلك يستطيع أن يرى ما اعتاد البشر على اعتباره طبيعيًا…!!!
وهذه هي اللحظة التي يتحول فيها الأدب إلى أنثروبولوجيا!
فالأنثروبولوجيا لا تبدأ عندما نذهب إلى مجتمع بعيد ونكتشف عادات غريبة، وإنما تبدأ عندما نعيد النظر في عاداتنا نحن، ونكتشف أن ما اعتدناه ليس بالضرورة طبيعيًا، وأن بعض السلوكيات التي تبدو بديهية ليست سوى أنظمة اجتماعية ترسخت إلى درجة أننا توقفنا عن مساءلتها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الحمار في «حماري وأنا» لا باعتباره شخصية ساخرة فحسب، بل باعتباره جهازًا أنثروبولوجيًا لكشف السلطة: عينًا تقف خارج اللعبة لتراقب كيف تُصنع الطاعة، وكيف يُنتج الولاء، وكيف يتحول القرب من القوة إلى قيمة اجتماعية، وكيف يستطيع الإنسان أن يشارك في إعادة إنتاج النظام الذي يشكو منه.
الحمار لا يحتاج إلى نظرية في السلطة كي يعرفها.
يشعر بها في الحبل، وفي العصا، وفي ثقل الحمل، وفي الطريق الذي لم يختره.
إنه يعرف السلطة من أثرها المباشر على الجسد.
ولذلك فإن وضع الحمار في مواجهة الإنسان يخلق مفارقة شديدة القسوة: الحيوان يعرف من يقوده، بينما قد يقضي الإنسان سنوات طويلة في البحث عن معنى الحرية وهو يصفق لمن يقوده.
من هنا يمكن أن ننتقل إلى السياسة المغربية، لا باعتبارها حالة استثنائية أو بنية مغلقة، وإنما باعتبارها مجالًا غنيًا لدراسة العلاقة بين السلطة والمجتمع، بين المؤسسة والشخص، وبين الحداثة السياسية وبقايا أنماط الزعامة التقليدية.
فالمشهد السياسي لا يُفهم فقط من خلال الدستور والقوانين والانتخابات والهياكل الحزبية. هناك أيضًا سياسة غير مكتوبة تتحرك عبر القرابة، والوساطة، والرمزية، والذاكرة، والعلاقات الشخصية، والقدرة على الاقتراب من مراكز القرار، وشبكات الاعتراف المتبادل التي تمنح بعض الأسماء قوة تتجاوز أحيانًا ما تمنحه البرامج والأفكار.
ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: من يصل إلى السلطة؟ وإنما: ما الذي يجعل بعض الأشخاص قابلين للوصول إليها أكثر من غيرهم؟
هنا تظهر مفاهيم مثل الرأسمال الرمزي، والزعامة الأبوية، والزبونية، وإعادة إنتاج النخب.
فالرأسمال السياسي لا يكون دائمًا في شكل مال أو منصب.
قد يكون اسمًا عائليًا، أو تاريخًا سياسيًا، أو شبكة علاقات، أو حضورًا اجتماعيًا متوارثًا، أو قدرة على استدعاء رمزية سابقة وتحويلها إلى رأسمال انتخابي جديد.
وهذا لا يعني أن كل ابن سياسي هو وريث سياسي، ولا أن كل عائلة حاضرة في السياسة تمثل بالضرورة شكلًا من أشكال الفساد. فالسياسة حق مفتوح أمام الجميع، بما في ذلك أبناء السياسيين.
لكن الإشكال يبدأ حين تتحول القرابة من مجرد علاقة عائلية إلى آلية لإعادة إنتاج الفرص السياسية، وحين يصبح الاسم اختصارًا لمسافة كان يفترض أن تقطعها الكفاءة والمشروع والقدرة على الإقناع…
وهنا لا تعود المسألة مجرد «توريث» بالمعنى المباشر.
إنها أكثر تعقيدًا: توريث للرأسمال الرمزي. فالذي يرث اسمًا معروفًا لا يرث منصبًا بالضرورة، لكنه قد يرث شيئًا أكثر أهمية: نقطة انطلاق لا يملكها آخرون.
يرث الذاكرة، والعلاقات، وشبكة الاعتراف، وربما صورة مسبقة عن الأهلية… وفي مجتمع سياسي تكون فيه الرموز مهمة، يصبح ذلك الرأسمال قابلًا للتحول إلى نفوذ انتخابي وتنظيمي واجتماعي.
لكن السلطة لا تعيد إنتاج نفسها من فوق فقط. وهذه هي الحقيقة التي تجعل النقد السياسي أكثر تعقيدًا من مجرد مهاجمة النخب…
فالسلطة تحتاج إلى المجتمع لكي تستمر. والزعيم لا يصبح زعيمًا لأنه أعلن ذلك عن نفسه فقط، بل لأن هناك من يعترف له بهذه المكانة. والولاء لا يُفرض دائمًا بالعصا؛ أحيانًا يُنتج بالرغبة في الحماية، أو الحاجة إلى الوساطة، أو البحث عن فرصة، أو الرغبة في الانتماء إلى دائرة قوية. وهنا يتحول المجتمع نفسه إلى طرف في إنتاج السلطة، حتى عندما يعتقد أنه يعارضها…
لقد ورثنا في جزء من ثقافتنا السياسية تصورًا أبويًا للزعامة: نبحث عن «الكبير»، عن الشخص الذي يعرف الطريق، ويملك الحل، ويستطيع أن يتدخل، ويفتح الباب، ويحل المشكلة. وعندما تصبح المؤسسة أقل حضورًا من الشخص في المخيال العام، يتحول الحق إلى خدمة، والمواطنة إلى علاقة، والانتخاب إلى اختبار للولاء بدل أن يكون تفويضًا سياسيًا مشروطًا بالمحاسبة.
وهنا تحديدًا يصبح الفرق بين المواطن والتابع جوهريًا.
– المواطن يقول: ماذا ستفعلون؟
– التابع يقول: من معكم؟
– المواطن يسأل عن البرنامج.
– التابع يسأل عن الاسم.
– المواطن يريد مؤسسة.
– التابع يبحث عن شخص.
– المواطن يطالب بحقه.
– التابع يبحث عمن يستطيع أن يمنحه الحق…
وهذه ليست مجرد اختلافات لغوية، وإنما اختلافات في الثقافة السياسية.
فالديمقراطية لا تبدأ وتنتهي بصندوق الاقتراع. إنها تبدأ من اللحظة التي يتوقف فيها المواطن عن التعامل مع السياسي باعتباره «كبيرًا» يمنح ويمنع، ويبدأ في التعامل معه باعتباره ممثلًا عامًا خاضعًا للمساءلة…
ومن هنا تصبح الانتخابات لحظة أنثروبولوجية بامتياز.
فهي لا تكشف فقط من يريد الوصول إلى البرلمان أو الجماعات أو مواقع المسؤولية، بل تكشف أيضًا كيف يفكر المجتمع في السلطة. تكشف هل ننتخب المشروع أم الاسم؟؟؟ هل نبحث عن الكفاءة أم عن الشهرة؟؟؟ هل نكافئ من خدم المجال العام أم من نجح في بناء شبكة من العلاقات؟؟؟ هل نريد تجديد النخب أم إعادة تدويرها؟؟؟ وهل ما نسميه أحيانًا «الاستمرارية السياسية» هو بالفعل استمرارية للمشروع، أم استمرارية للأسماء والشبكات؟؟؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، لأن الانتخابات ليست مجرد لحظة لتغيير ممثلي الأمة؛ إنها لحظة تكشف طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة. وإذا كانت بعض النخب تحاول إعادة إنتاج نفسها، فإن المجتمع بدوره قد يشارك في هذه العملية عندما يمنح صوته ليس لمن يملك أفضل مشروع، وإنما لمن يملك أفضل شبكة، أو أشهر اسم، أو أقوى علاقة، أو أكثر قدرة على إنتاج الوهم بالقرب من السلطة.
وهنا تصبح «الزبونية السياسية» أكثر من مجرد تبادل للمصالح. إنها نظام رمزي كامل. السياسي يمنح شعورًا بالحماية والقرب، والمواطن يمنحه الولاء.
السياسي يَعِد بالتدخل، والمواطن يَعِد بالدعم. السياسي يقدم نفسه بوصفه «بابًا»، والمواطن يقبل ضمنيًا أن يبقى خارج المؤسسة منتظرًا من يفتح له ذلك الباب.
المشكلة أن هذا النظام يستطيع أن يعيش طويلًا لأنه يمنح الطرفين شيئًا: السياسي يحصل على الولاء، والمواطن يحصل على أمل الوصول. لكن الثمن الذي يدفعه المجتمع هو تآكل فكرة الحق العام.
وعندما يتراجع الحق، تتقدم الواسطة.
وعندما تتراجع المؤسسة، يتقدم الشخص.
وعندما يتراجع البرنامج، يتقدم الاسم.
وعندما تتراجع المواطنة، يتقدم الولاء.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية ليس أن تختفي الانتخابات، وإنما أن تبقى الانتخابات موجودة بينما تتغير وظيفتها الاجتماعية؛ أن يصبح الصندوق آلية لإعادة إنتاج نفس العلاقات بدل أن يكون وسيلة لتغييرها. عندها يمكن للديمقراطية أن تحتفظ بكل طقوسها، بينما تفقد شيئًا من روحها.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول هذا الكلام إلى محاكمة أخلاقية للمجتمع المغربي. فالمغاربة ليسوا كتلة واحدة، والسياسة المغربية ليست بنية واحدة، والانتخابات ليست مسرحًا للولاءات وحدها، كما أن الأحزاب ليست جميعها نسخًا متطابقة من بعضها.
هناك داخل المجتمع والأحزاب والدولة أيضًا طاقات إصلاحية ونخب جديدة وتجارب مختلفة ومواطنون يرفضون أن يكونوا تابعين لأحد. لكن دراسة البنية العميقة للسياسة تقتضي أن نعترف بما هو موجود، لا بما نتمنى أن يكون موجودًا.
وهنا يعود الحمار إلى المشهد.
الحمار لا يعرف الأيديولوجيا، لكنه يعرف الحمل.
لا يعرف البرنامج الانتخابي، لكنه يعرف الطريق.
لا يقرأ الخطاب السياسي، لكنه يعرف صاحب العصا.
ولا يحتاج إلى استطلاع للرأي كي يدرك أن من يضع الحمل على ظهره يمتلك، في تلك اللحظة، سلطة ما.
وهذه البساطة هي بالضبط ما يجعل الحمار استعارة سياسية شديدة الخطورة.
إنه يحررنا من اللغة التي تغطي السلطة، ويعيدنا إلى السؤال الأساسي: من يقود من؟ ومن يحمل ماذا؟ ولماذا؟ وإلى أين؟
ربما لهذا السبب يستطيع الأدب أن يقول ما تعجز عنه السياسة.
فالكاتب حين يمنح الحمار صوتًا لا يجعل الحيوان إنسانًا فقط، وإنما يجعل الإنسان يرى نفسه بوصفه موضوعًا للملاحظة. وفي تلك اللحظة تنقلب المعادلة: لا يعود الإنسان هو الذي يراقب الحيوان، بل يصبح الحيوان هو الذي يراقب الإنسان.
إنها لحظة انقلاب رمزي.
الحمار، الذي ظل طويلًا في المخيال الشعبي رمزًا للغباء، يصبح فجأة أكثر عقلانية من الإنسان؛ لأنه لا يخلط بين القيادة والحرية، ولا بين الطاعة والاختيار، ولا بين الحمل والكرامة.
وإذا شعر أن الحمل أصبح أثقل من قدرته، فإنه يتوقف. أما الإنسان فقد يحمل فوق طاقته سنوات طويلة، فقط لأنه أقنع نفسه بأن الحمل جزء من قدره، أو لأن من يقوده أقنعه بأن الطريق لا يمكن أن يكون إلا بهذه الطريقة.
ومن هنا يمكن أن نفهم شيئًا من علاقة العامة بالسلطة: ليست كل طاعة خوفًا، وليست كل علاقة بالزعامة قسرًا. هناك طاعة تصنعها الحاجة، وأخرى يصنعها الأمل، وأخرى تصنعها الثقافة، وأخرى تصنعها الذاكرة، وأخرى تصنعها مصلحة صغيرة تتحول مع الزمن إلى ولاء كبير.
ولهذا فإن تحرير السياسة من ثقافة التبعية لا يحتاج فقط إلى تغيير الوجوه، بل إلى تغيير العلاقة النفسية والاجتماعية مع السلطة. لا يكفي أن نستبدل زعيمًا بزعيم إذا ظل المجتمع يبحث عن الزعيم نفسه. ولا يكفي أن نغير أسماء النخب إذا ظل الخيال السياسي يعتبر الاسم أقوى من المشروع. ولا يكفي أن ننتقد الوراثة السياسية إذا ظل المجتمع يمنح الوريث شرعية مجانية لمجرد أنه ابن اسم معروف.
التغيير الحقيقي يبدأ عندما يصبح الاستحقاق أقوى من النسب، والمؤسسة أقوى من الشخص، والمشروع أقوى من الاسم، والمواطنة أقوى من الولاء.
عندها فقط يمكن أن تتحول السياسة من ثقافة «من تعرف؟» إلى ثقافة «ماذا تستطيع أن تقدم؟».
وربما هنا نكتشف أن سؤال الحمار الذي افتتح هذا النص لم يكن سؤالًا عن الحيوان أصلًا. كان سؤالًا عن الإنسان الذي اعتاد حمل الأثقال دون أن يسأل من وضعها على ظهره، وعن المواطن الذي قد يصفق لمن يقوده ثم يخلط بين التصفيق والمشاركة، وعن المجتمع الذي قد يشتكي من الزعامة بينما يعيد إنتاجها، وعن النخب التي قد تتحدث عن الديمقراطية بينما تغريها أحيانًا آليات القرب والقرابة والولاء وإعادة تدوير النفوذ.
فإذا كان الحمار يعرف من يقوده، ويعرف ثقل الحمل، ويعرف متى يتوقف، فربما يكون السؤال الحقيقي: متى يعرف الإنسان من يقوده؟ ومتى يسأل عن ثقل ما يحمله؟ ومتى يقرر أن يتوقف؟
عندها فقط يتوقف الحمار عن كونه استعارة.
ويصبح الإنسان هو موضوع السؤال.
وربما لهذا كله لا ينبغي أن نخجل من مقارنة الإنسان بالحمار.
فالحمار، على الأقل، لا يصفق للعصا.

