في الجزائر، لكي تكون مثقفاً عليك أن تكون جنرالاً!
كتبها: حفيظ البدري
ثمة سخرية لا تحتاج إلى كاتب سيناريو، لأن الواقع يتكلف بالمهمة، ويزيد عليها حتى لا يترك للكوميدي فرصة للاجتهاد.
ولعل الكوميدي الجزائري فلاق كان بارعاً في التقاط هذه المفارقات، خصوصاً في سكتشه الساخر الذي يستحضر بوتفليقة والكلب في حضرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك. مشهد يبدو مضحكاً، لكنه من تلك المشاهد التي تضحكك حتى تكاد تبكي، لأنها تختزل عبث السلطة حين تتحول السياسة إلى مسرحية، ويصبح المواطن مجرد متفرج، لا يملك حتى حق تغيير القناة.
لكن، إذا نقلنا هذه السخرية إلى المشهد الثقافي الجزائري، فقد نكتشف أن النكتة أكبر من أن يحتملها سكتش كوميدي: في الجزائر، لكي تكون مثقفاً معترفاً بك، عليك أولاً أن تكون جنرالاً!
فالمثقف الذي يحمل كتاباً، والفنان الذي يطرح الأسئلة، والمفكر الذي يجرؤ على النقد، لا يبدو أنهم يحظون دائماً بالمكانة التي يحظى بها صاحب الرتبة العسكرية.
وكأن الفكر لا يستمد شرعيته من المعرفة، بل من عدد النجوم على الكتفين.
هنا بالضبط تكمن الطامة الكبرى: نظام يريد مثقفاً يحفظ أمجاد الثورة ولا يسائل حاضرها، وفناناً يرفع صورة الوطن في الخارج، لكن عليه أن يغض الطرف عن شروخه في الداخل.
يعني، خاصك تكون حر في التعبير، ولكن ماشي بزاف!
ولعل المفارقة التي تستحق وقفة ساخرة أن الجزائر احتضنت سنة 1969 تصوير فيلم «Z» للمخرج كوستا غافراس، ذلك الفيلم الذي فضح تواطؤ الأجهزة العسكرية في الانقلابات السياسية باليونان.
والمفارقة أن ذلك حدث في عهد هواري بومدين نفسه، الذي وصل إلى الحكم بانقلاب سنة 1965.
يبدو أن الانقلاب عند الآخرين انقلاب، أما عندنا فيمكن أن يصبح تصحيحاً ثورياً.
سبحان مبدل الأحوال، فالانقلاب قد يتغير اسمه بحسب هوية من قام به!
والثقافة الجزائرية لم تدفع ثمن الاختلاف بالكلام وحده. فقد اغتيل الطاهر جاووت وعبد القادر علولة وعز الدين مجوبي ومعطوب الوناس والشاب حسني، وغادر آخرون البلاد، مثل محمد فلاق، الذي وجد في فرنسا فضاءً لمواصلة حياته الفنية.
كما ارتبطت مسارات فنية وأكاديمية أخرى بالخارج؛ فالشاب خالد ارتبط بفرنسا ثم اختار المغرب للإقامة، ومحمد أركون عاش مساره الأكاديمي خارج الجزائر ودُفن في الدار البيضاء، فيما انتهت محنة الكاتب بوعلام صنصال بالعودة إلى فرنسا بعد الإفراج عنه من السجن.
تختلف ظروف هؤلاء ومساراتهم، ولا يمكن وضعها كلها في سلة واحدة، لكن اجتماع أسمائهم يفتح سؤالاً لا يحتاج إلى رتبة عسكرية للإجابة عنه: لماذا يصبح المنفى أحياناً أكثر رحابة من الوطن؟ ولماذا يجد بعض المبدعين خارج حدود بلادهم ما لم يجدوه داخلها؟
إن المشكلة ليست في غياب المبدعين عن الجزائر، بل في غياب تصور ثقافي يعترف باستقلال المثقف وحقه في الاختلاف. فالوطنية ليست طاعة عمياء، والثقافة ليست نشيداً رسمياً، والثورة ليست ملكية حصرية لمؤسسة أو رتبة عسكرية.
وماشي كل واحد قال «لا» خاصو يتحاكم بتهمة الخيانة، ولا كل من صفق يستحق وسام الوطنية.
تخيلوا لو عاد فلاق إلى الجزائر ليقدم سكتشه أمام لجنة ثقافية رسمية، وسأله أحدهم: ما رتبتك؟ فأجاب: دكتور في الكوميديا! فيقال له: لم نسألك عن شهادتك، بل عن رتبتك! عندها ربما يكتشف أن النكتة لم تعد في السكتش، بل في اللجنة نفسها.
في الجزائر، يبدو أن المثقف لا مكان له إلا إذا خلع معطف الفكر وارتدى بذلة الجندي. والمفارقة أن الجيش الذي يفترض أن يحمي حدود الوطن، لا ينبغي أن يتحول إلى حارس لحدود التفكير أيضاً.
فالثورة التي لا تسمح لأبنائها بالتفكير فيها بحرية، تتحول مع الزمن إلى أرشيف من الصور والخطب، ويصبح المثقف فيها مجرد كومبارس في مسرحية لا يملك حق تغيير نصها.
ولعل أكثر ما يثير السخرية السوداء أننا ننتظر اليوم فيلماً أجنبياً عن معاناة مثقف في بلاده، مثقف لا يجد مكاناً له بين أهله، ولا يستطيع أن يعيش أفكاره بحرية، فيضطر إلى البحث عن منفذ نحو المنفى.
والمفارقة أن هذا الفيلم قد يُصوَّر في الجزائر نفسها، البلد الذي احتضن ذات يوم تصوير فيلم «Z» عن الانقلاب العسكري وتواطؤ السلطة.
