دليل المستشار في التوجيه التربوي: إرشادات وملاحظات من وحي الميدان

 

عزيزي المستشار(ة) في التوجيه التربوي المتخرج(ة) من المركز مؤخرا أو المقبل(ة) على التخرج مستقبلا، إليك هذه الإرشادات والملاحظات التي قد تنفعك وأنت تزاول مهامك على أرض الواقع. فاحرص(ي) على الاستفادة منها قدر المستطاع، واصرف(ي) عنها النظر إن كانت لا تناسب وضعية اشتغالك أونظرتك الشخصية…:

عند التعيين، قد تصادف أطر إدارية (مدراء غالبا) لا يفرقون بينك ك”مستشار في التوجيه التربوي” وبين “أساتذة المادة المدرسية”. لذلك، فهم ينتظرون منك تقديم حصص في التوجيه التربوي بشكل شبه يومي لأنه في اعتقادهم الخاطئ أنت أستاذ للتوجيه التربوي وليس إطارا جديدا بعيد كل البعد مجال التدريس، وبمهام جديدة ومتنوعة ومتفرقة في الزمان والمكان (المؤسسات التعليمية، المديرية الإقليمية، اللجن الإقليمية، الملتقيات الوطنية والجهوية والمحلية). فقم بتقديم نفسك لهم كمستشار في التوجيه التربوي، وعرفهم بمهامك وطريقة اشتغالك انسجاما مع خصوصيات مجال التوجيه: التوجيه التربوي مجموعة تدخلات وعمليات “نوعية/كيفية” وليست “كمية/ترددية”، بناء على محاور محددة في البرنامج الدوري لعمل إطار التوجيه التربوي، وبناء على مستجدات التربوية قد تصدر في أي لحظة.

إذا كنت حقا تؤمن بأن التوجيه التربوي يقدم في حصص دراسية ووفق برمجة شبه يومية كأنك تدرس مادة دراسية كالاجتماعيات أو الفلسفة أو اللغة العربية…، فإنك لم تستوعب متطلبات وجوهر هذا المجال الذي لا يمكن حصره في حصة من ستين دقيقة (حصة) أو في ديداكتيك (أو أنموذجparadigmeأو نموذج modèle) معد مسبقا.

التوجيه السليم والصحي تفاعل مفتوح، أي لا يمكن تحديد مدته الزمنية ولا يمكن التنبؤ بطريقة سيرها “الموضوعاتي”،مع متعلم واحد (مقابلة فردية) أو مجموعة متعلمين (مقابلة جماعية)،بناء على رغباتهم وتساؤلاتهم التي تلامس مجالات متنوعة (نفسية، اجتماعية، اقتصادية، مهنية، معرفية، مستقبلية، علائقية …).

 إذا كنت تقارب مهام التوجيه التربوي وفق مقاربة حصص دراسية مبرمجة ومحددة، فلماذا تركت مجال التدريس حيث كنت تدرس مادة  تخصصك، لتعود من جديد إلى القسم بعد تكوين مدته عامين في المركز وفي مجال مغاير وصعب الإحاطة والضبط.

هذه القاعدة ذهبية وجزء لا يتجزأ من فلسفة التوجيه الصحيح: “الاستشارة تطلب ولا تعطى/توزع عشوائيا خارج النسق النفسي والرغباتي/الحاجاتي للمتعلم”، كما أن الاستشارة لا تفرض على المتعلمين من طرف الإطار في التوجيه في صيغة حصص دراسية. المتعلمون أولى بأنفسهم وباحتياجاتهم وميولاتهم وهواجسهم وطموحاتهم، وبنوعية تساؤلاتهم التي قد تتغير في أي لحظة.

تخلى عن صفة”الأستاذية” التي كنت تحملها قبل ولوج ميدان التوجيه التربوي، لأنك إطار جديد وفريد من نوعه من ناحية التكوين يفترض منه أن يقارب المنظومة التعليمية من عدة زوايا وأبعاد متداخلة ومتكاملة وأحيانا متصارعة ومتنافسة، وكل ذلك في علاقة/تفاعل/صراع/تماهي مع منظومات سياقية/محيطة/خارجية/بنيوية ومؤثرة أكبر وأشمل وأقوى كالمنظومة الاقتصادية الوطنية العامة، المنظومة السياسية السطحية والعميقة، منظومة التشغيل وسوق الشغل والمهن، منظومة القيم المجتمعية (المنقرضة والراهنة والمكتسحة/الدخيلة والمستقبلية/المحتملة)، المنظومة الفكرية/الإيديولوجية المهيمنة/المسيطرة والمنظومة الفكرية “الأقلية”/المسيطر عليها، والمحتملة البروز أو النشوء/التكون، المنظومة المجتمعية بكل أطيافها وتغيراتها، المنظومة النفسية الاجتماعية في علاقتها مع باقي المنظومات الأخرى إلخ…

مجال اشتغالك الجديد وشبكة علاقاتك المتنوعة ونمط/جودة تكوينك إذن يؤهلك لأن تكون “طبيبا جراحا” مؤهلا للمنظومة التربوية، لذلك فلا تفسر الأمور بسطحية ولا تقارب الظواهر بسذاجة ولكن حلل الأمور بعيون نقدية ومنهجية تستحضر جميع السياقات والمنظومات السالفة الذكر. إن صفتك “مستشار”، والمستشار يجب أن يكون عميقا/مفكرا جدا. وإن لم يكن، فسيغرق كل من يتفاعل معه (متعلم، آباء، إدارة، أساتذة، أطر أخرى) جراء سطحيته غير المبررة.

سيطلب منك الحضور في الاجتماعات سواء داخل المؤسسات التعليمية أو في المديرية أو حتى في الأكاديمية. إياك والبدء بالحديث أو كثرته أو الاستئثار به، فمن صفات المستشار العميق قلة الكلام و”الصمت الصاخب من الداخل” من كثرة تحليل ونقد من يقال من حوله للقيام بعملية جراحية أنجح، يتم الإعلان عن نتيجتها في الوقت المناسب. في تلك الاجتماعات لا تتكلم حتى يطلب رأيك، وإن بدى لك حسب عمقك/تفكيرك أن الأمر يتطلب تدخلك، فقم بذلك ولكن قل ما تراه في بضع كلمات دقيقة وموجزة، فخير كلام المستشار ما قل ودل، وكثرة الكلام تولد كثرة الأخطاء، وكثرة الأخطاء قد تسحب منك هبتك وتقوض علاقاتك وتخلق لك أعداء مجانيين وتدخلك في متاهات أنت في غنى عنها لو اخترت الصمت الحكيم.

تأكد أن شبكة علاقاتك الأفقية/التنسيقية (أطر الإدارة التربوية) والعمودية (رئيس المصلحة) والموازية/التكاملية (أطر التوجيه التربوي: مفتشين ومستشارين) مكونة من بشر فقط. والبشر فيهم الجيد والسيء (لمزيان ولخايب). لذلك لا ترفع سقف توقعاتك أكثر من اللازم، ولا تنصدم من أي موقف سيء يصادفك وأنت في تفاعل ضمن تلك الشبكة المعقدة والمتعددة الأبعاد والنوايا والتكوين والمرجعيات والخلفيات والطموحات والأهداف والنفسيات والمزاجية …

كنت أنت المستشار الصافي من الداخل، والذي بتكوينه المتين (علم النفس/الاجتماع/التواصل)، وعمقه التحليلي-النقدي الفريد لا يمكن لأي شخص آخر أن يلوث صفاءه أو يسلبه، كما لا يمكن أن يلحق الضرر بأي كان مهما بلغت درجة الإساءة: كن سفيرا لقيم المحبة الجميلة، وفي أسوء ردود الفعل، أتقن اللامبالاة/الإهمال الجميل(ة).

تأكد أن ضمن تلك الشبكة العلائقية بكل أصنافها أناس طيبون ومخلصون سيقفون جنبك في أي موقف مهني أو حياتي صعب لأن طبيعتهم النقية لم تنل منها الصفات والدرجات المهنية، فكن حريصا على نسج والحفاظ على علاقات شخصية متميزة معهم، مع تقديم كل أشكال الدعم والشكر لهم في كل مناسبة.

لا تكن مثاليا تجاه مهنتك الجديدة، وانتظر مصاريف إضافية لم تكن على عهد بها من قبل وأنت تعمل في مؤسسة واحدة كمدرس لمادة محددة ومستقر في مدينة اخترتها بنفسك.

في وضعيتك الجديدة ستكون مكلفا بعدد كبير من المؤسسات التعليمية دون عدة/وسائل عمل، وستكون مضطرا من التنقل بين تلك المؤسسات لأداء مهامك من مالك الخاص دون تعويض من الوزارة. وغالبا ما تكون تلك المؤسسات متباعدة مع الأخطار الكثيرة المصاحبة اثناء التنقل بينها. كل ذلك، توقع أن يقابل بالتنكر والجحود من طرف الآخر إلا من سبق له أن عانى من نفس وضعيتك المريرة والمتكررة. 

توقع أن تقوم بعمليات نسخ دلائل التوجيه والإعلام وكذلك الملصقات الإعلامية الكثيرة والمتغيرة الموجهة للمتعلمين من جيبك دون أي تعويض من الوزارة، ودون أن يعترف لك أحد بذلك ظنا منهم أن ذلك من صلب مهامك.

رغم كثرة تنقلاتك وكثرة المؤسسات المسندة إليك دون تعويض، وكثرة حضورك للاجتماعات بالمديرية الإقليمية، وتعدد مهامك دون تعويض أيضا، وغياب عدة العمل الضرورية: حاسوب، طابعة، نسخ، هاتف، انترنيت، سكن… فكل سهام فشل المنظومة موجهة إليك، وكل قاذفات “العداء/العداوة المجاني(ة) على المعاناة” مصوبة نحوك، يا طائر السلام الغريد بالأمل، يا سفير المستقبل الذي قصت أجنحته في مأدبة الإصلاح المزعوم.

لا تتردد في إعلان معاناتك ومشاكلك المهنية في كل فرصة رسمية (اجتماعات) وغير رسمية (جلسات مع الزملاء والأصدقاء) وتأملية ( جلسات التفكير النقدي في المسار المهني الذاتي) وتوثيقية (التقارير الشهرية والمذكرات اليومية والكتابة الموجهة للنشر الورقي والرقمي)، أولا كي لا تصاب ب”الاكتئاب” وثانيا، لتصحيح التمثلات الكثيرة السلبية على أطر التوجيه التربوي.

 

 

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*