اليسار الآخر… أو ماذا يريد مصطفى المريزق؟ ‘ج:2’

 إسماعيل علالي

” نحتاج ليسار جديد، و لا نحتاج لمواقف جاهزة، و لا لمنظومة أفكار سابقة، نسقطها عنوة على واقعنا الراهن” مصطفى المريزق-الطريق الرابع، مرتكز مقاومة البؤس، الورقة الأولى-
…في نقده لواقع اليسار المغربي، و بياناته المؤسسة لباراديغم الطريق الرابع باعتباره إبدالا جديدا تبنته حركة قادمون و قادرون، لا يكتفي المصطفى المريزق بسرد آفات اليسار المغربي و الوقوف عندها، بل جعل من هذه الآفات الثلاث- )آفة العمى الإيديولوجي، و آفة السيطرة، و آفة الاستلاب(-مطية لبناء يسار آخر ، يسار جديد و متجدد، تشكل هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المغرب التربة الخصبة لولادته من أجل بناء مغرب المستقبل، و إعادة الاعتبار لقيم اليسار الحق، لا اليسراوية1 المترهلة التي أنهكها التشرذم و الصراعات الداخلية و الآفات المذكورة أعلاه، أو دعاوى التجديد المحتشمة، رؤيويا و إجرائيا على أرض الواقع.
فما هي سمات اليسار الجديد الذي يدعو له مصطفى المريزق في مشروع الطريق الرابع؟.
ينطلق عرّاب حركة قادمون و قادرون، في أوراق الطريق الرابع و مرتكزاته، من اعتبار دعاوى التجديد السابقة، التي ظهرت من أجل تقوية صفوف اليسار، دعاوى محتشمة حملت بذور موتها-عربيا و مغاربيا- منذ الوهلة الأولى، لتغليبها الحلم الوحدوي على العمل النقدي، هذا الحلم الوحدي الذي تحول إلى نزوة عاطفية همها الرغبة في تجميع مكونات اليسار في إطار واحد فقط، حيث يرى أن الحرص على تحقيق هذه الرغبة السيكولوجية الحالمة و البريئة، قبل خلق شروط رص صفوف التيارات اليسارية، قد حرم أنصارها من الوقوف على الآفات الكامنة و راء هذا التشرذم، و نقدها نقدا منطقيا، لخلق بدائل نظرية و عملية لبعث اليسار من جديد، حيث أدى اكتفاء أنصار هذا الحلم الوحدوي، بأفول دعاويهم التجديدية التي أصبحت في حكم رسائل التمني و الترغيب الخلوة من أي مشروع عملي ، يوجهه النظر النقدي و الممارسة العقلانية الواعية بشروط التجديد و إعادة البناء الحق.
و لهذه الأسباب نصَّ مصطفى المريزق، على أن اليسار الجديد الذي يؤسس له مشروع الطريق الرابع، هو يسار آخر ، يسار جديد و متجدد بكل ما تحمله الكلمة من معاني الجدة و التحديث و المغايرة و التجاوز.
إنه يسار قائم أولا : على رؤية نقدية مغايرة ، مرتكزة على أسس علمية- عملية، متحررة من عقدة استعادة التاريخ ، و من هوى التجارب اليسراوية السابقة، و طقوسها التحريفية، و من تقديس الأفكار المتحجرة، و من الجمود على مقولات التأسيس، التي ابتليت هي الأخرى بآفات النسخ و السلخ ، و المسخ التأويلي و التحريف الرؤيوي.
ثانيا: إنه يسار القيم اليسارية الحق، التي شوهتها القراءات اليسارية القاصرة، حين حرّفت قيمه البانية، و عمدت على تنزيلها على أرض الواقع تنزيلا خاطئا، بابتداع ممارسات هي من صميم الممارسات الماضوية ، و سقوط كثير من التجارب اليسراوية في سلوكيات مناقضة للفكر اليساري برمته، سلوكيات هي بنت الهويات النكوصية ، و التيارات المحافظة و الرجعية المنغلقة على رؤاها.
ثالثا: إنه يسار مقاومة هادئة، و تأطير مجتمعي تنويري، و نضال تصحيحي رسالي، و سلوك فكري تقدمي مناهض للسلوكيات الشعبوية، و هوية مواطنة حداثية ضد الهويات السياسوية النكوصية و الإديولوجيات المتعصبة و الإمبرياليات الاحتكارية المتوحشة، و التنظيمات الأصولية.
رابعا: إنه طريق رابع، وليد شروط موضوعية، و نظر نقدي تفكيكي بعد انسداد أفق الطرق الثلاثة السابقة له، و فشل برامجها في تحقيق سعادة الإنسان على الأرض، و أفول نجمها.
خامسا: إنه طريق اليسار المواطن، المتحرر من سلطة العمى الإديولوجي، و سلطة الاستيلاب و الحجر الفكري، و سلطة الهيمنة الراديكالية في مختلف المجالات.
سادسا: إنه يسار التنزيل الصحيح لقيم الفكر اليساري المثلى، و يسار النظرية المتجددة فكرا و ممارسة، و يسار السلوك اليساري الواعي بحريته و استقلاليته، في التدبير و التأطير و الاستشراف.
سابعا:إنه يسار المواطنة الصادقة المسؤولة تجاه المواطنات و المواطنين، و يسار حقوق الإنسان الكاملة بأبعادها الكونية، و يسار الديموقراطية الاجتماعية الملتحمة بقضايا مجتمعها.
ثامنا: إنه يسار التعددية و الهوية التقدمية الكاملة لأفراده بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية، و يسار اللاتمركز ، و الانتصار لهوية الهامش، باعتبارها مجالا متميزا وخاصا، جغرافيا و ثقافيا و اقتصاديا و اجتماعيا.
تاسعا: إنه يسار مؤسساتي مناضل من أجل العدالة المجالية، و البنيات الأساسية، و الثروة الوطنية، و يسار القيادة التشاركية الموزعة لا القيادة الأحادية المستبدة.
عاشرا: إنه يسار المشاريع الخلاقة التي تضع نصب عينها، أولويات حاضرها، و آفاقها المستقبلية، على المدى القريب و المتوسط و البعيد، وفق إستراتيجيات عملية توقعية لا تؤمن بالصدف، لأنها تستبق الأزمات عمليا و تضع حلولا لها.
حادي عشر: إنه يسار إسعاد البشرية لا سحق البشر والتسلط على حقوقهم الطبيعية، و الانقضاض على مكتسباتهم، الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و الجنسية و اللغوية، و الصحية و البيئية و الفكرية، إنه يسار يعلي من قيمة العمل المجتمعي الأفقي و العمودي، و لا يرتمي في حضن المشاريع الفضفاضة، و البرامج الخرافية و الشعبوية المقيتة.
فمن خلال هذا التوصيف للهوية اليسارية الجديدة التي يقترحها عرّاب حركة قادمون و قادرون في أوراق “مشروع الطريق الرابع و مرتكزاته”، نجد أن الهوية اليسارية التي يؤسس لها الطريق الرابع، هي هوية تكاملية تعددية موسعة، و متجددة، تعلي من قيمة العمل الخلاق، و تؤمن بالحق في الاستقلالية الفكرية و الاختلاف، لا الخلاف الذي تغذيه الخطابات الإقصائية، مما يجعل هوية الطريق الرابع نقيض الهويات التجزيئية السابقة لها، التي وقعت في شراك العدمية، جرّاء تجزيئها لكينونة الإنسان و وجوده الممتد، و انتهاجها لسلوكيات إقصائية هدّامة، و ممارسات شعبوية عدمية.
و بناء على هذه الأسس يطمح اليسار الجديد إلى ترسيخ ممارسة مدنية و سياسية عقلانية، رهانها الحضور المواطن و الخدمة المجتمعية الدائمة، لا الظهور المناسبتي، و الانشغال بالمزايدات السياسوية .

 إسماعيل علالي
و الناظر في أوراق مشروع الطريق الرابع، لا محالة يلمح مدى إدانته للفكر الشعبوي بمختلف تجلياته، و انتصاره للفكر العقلاني العملي الملموس، و قطيعته مع مختلف أشكال الاستغلال السياسوي للدين، في التدبير الدنيوي لحياة الإنسان، باعتبارها شكلا من أشكال الاختلاس القيمي، و عائقا أمام التقدم و التحديث المجتمعي.
حيث يقر مصطفى المريزق أن العلمنة الواعية هي الخيار الأمثل الذي يدافع عنه الطريق الرابع لوضع حد للمزايدات الدينية و الجنسية و العرقية و اللغوية،التي ابتليت بها حياتنا المعاصرة اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا و فكريا و ثقافيا و حقوقيا .
و مهمة اليسار الجديد من هذه الزاوية هي مناهضة هذا الاختلاس السياسوي الذي يمارس سطوته على اختيارات الجماهير، و يغرق الشعوب في خطابات شعبوية تبريرية خرافية غير مسؤولة، و فارغة النتائج على أرض الواقع، حيث يقر مصطفى المريزق أن فشل التجارب اليسراوية في محاربة تيارات الاختلاس السياسي باسم الدين و العرق و اللغة، هي التي كرَّست الهوة بين الشعب و السياسة، و سمحت بسقوط شباب أبرياء في شراك التيارات المتطرفة و تبني الفكر العدمي و أطروحات الإرهاب، و العدول عن المشاركة الانتخابية.
إن مهمة اليسار الجديد، حسب مصطفى المريزق هي مهمة طليعية عقلانية عملية ،يوجهها من جهة ، مبدأ تصفير المشاكل مع المؤمنين بقيم اليسار المثلى، و كل التواقات والتواقين للحرية و العدل و المساواة، و من جهة أخرى مناهضة الاستغلال بكل ألوانه، و التصدي للخطابات العدمية بكل أشكالها، و محاربة التفاوتات و احتكارية الإمبريالية المتوحشة أنى كانت الجهة الداعمة لها داخليا، و مواجهة الحجر الفكري و الإيديولوجي الخفي و المعلن بكل الوسائل الحقوقية و القانونية.
إن اليسار الجديد من هذا المنظور، الذي ينتصر لقيم اليسار ، نظريا و عمليا، لا للممارسات اليسراوية الممتدة في التاريخ، هو يسار مواطن بكل ما تحمله الكلمة من دلالات عميقة، لأنه ينتصر للوطن لبناء مغرب المستقبل، و للمواطنين من أجل سعادتهم الدائمة، و لدولة المؤسسات الاجتماعية ضد كل دعاوى الفوضى و الهدم ، و التطرف الإرهابي ، و الحياد العدمي.
من هنا يجوز لنا وسمه بأنه طريق النجاة القادر على بناء لمغرب المستقبل، و تنزيل القيم اليسارية المثلى تنزيلا صحيحا.
يتبع…

————————————————————————————————
1-*يميز مصطفى المريزق بين مفهوم اليسار ، و مفهوم اليسراوية، و هذا المفهوم الثاني يطلقه على كل ممارسة ادعت الانتساب لليسار دون تمثل قيمه الحق، وساهمت في تحريف نظريته بممارساتها السلبية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليق 1
  1. Avatar
    سعدية اسلايلي يقول

    طوبى للحركة المجددة والمحررة ولفكر الانعتاق من القولبة الإديولوجية والنمطية القاتلة…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*