أقصوصة من وحي المجتمع… زنزانة 490… كفى!

عائشة العلوي، أستاذة جامعية باحثة في الاقتصاد

انزوت إلى مكانها المعتاد، تجلس لوحدها ولا تكلم أحدا…… تلتحق متأخرة بالقسم، مرتدية ملابسها الفضفاضة وقبعتها السوداء فوق شعرها البني الذي يغطي وجهها الشاحب… عند انتهاء الدرس تتباطأ في جمع أدواتها ودفاترها وكتبها، كأنها تنتظر خروج الجميع قبل أن تتسلل إلى مكانها الذي اعتدته خلف الشجرة في ساحة الاستراحة بالمدرسة… حيرني سلوك هذه التلميذة ذو 10 سنوات، لا أحد يلعب معها أو يقترب منها… تبدو كبيرة عن عمرها… ربما تعاني من إحدى الاضرابات السلوكية أو الأمراض النفسية…

حاولت فهم وضعيتها حتى أتمكن من التعامل معها خاصة وأني ملتحقة جديدة بالمدرسة كأستاذة لمادة العربية. فتحت الموضوع مع إحدى زميلاتي. نظرت إلي باستغراب وألقت بكلام لم أفهمه، لماذا يأتون بهذه الأشكال للمدرسة مع “اولاد الناس”؟ … انهيت حصتي وغادرت مع ابني الصغير للبيت…

اضطررت إلى طلب الانتقال بعد طلاقي من زوجي العنيف والخائن…لقد خفت على ابني أن يعيش في جو مليء بالعنف والألم والصراخ… فضلت تربيته لوحدي رغم غضب أسرتي ورفضها مساندتي… كلما حكيت لأمي أو لأبي عن ظروفي التي لا تطاق مع الزوج الذي لا يدخل إلى المنزل إلا مساءا، بعد أن يصلي صلاة العشاء أو بعد مشاهدة مباراة لكرة القدم. في كل مرة يبحث و يخلق أعذار للصراخ في وجهي حتى يتمكن من تعنيفي جسديا بعدما أن يحطم معنوياتي وكبريائي كإنسانة… زادت معاناتي أثناء الحجر الصحي… أصبحت في إرهاب يومي، وأنا أقوم في نفس الوقت بدور الشرطي حتى لا ينتقل العنف لابني… في أحد الأيام، لم أستطع إتمام الدرس بسبب ألم حاد في بطني، عدت إلى المنزل قبل موعدي المحدد… لم أكن أتوقع هذا… في منزلي… وأمام ابني… أبشع شعور يمكن أن يحس به أي إنسان هو طعم الخيانة… انتقل الألم من بطني إلى رأسي وقلبي… انتقل إلى كل أنحاء جسدي… عشت أيام صعبة… قليل هم من ساندوني ودعموني في محنتي… وغالبيتهم طلبوا مني أن أصفح عنه لأنه كان في لحظة ضعف إنساني، ومن منا لا يخطئ؟…

انتهى الكلام سيدي القاضي… أرجوك، أنصفني… انظر إلى جروحي والكدمات على أطرافي، أما تلك الداخلية فإن لا أحد يمكن أن يحسها أو ينظر إليها… انظر إلي سيدي القاضي، لم تعد المساحيق تنفع لتغطي تجاعيد الألم والحسرة، وأنا التي لم تكمل عقدها الثالث… نعم سيدي القاضي، انصفني، فلا يغرنك دموعه وتوسلاته، فكم من مرة أقسم بأن يحسن معاشرتي، وإذا به يكرر نفس السلوك بل الأمور ازدادت سوءا…

بعد خمسة عشر سنة، أحسست بحريتي… أنا حرة من الخوف والألم… سنوات ممزوجة بكثير من الألم وقليل من الفرح التي لم يكن مصدرها زوجي…

في طريقي إلى المنزل، وأنا أستحضر شريط حياتي. وإذا بالبقال يسألني إن كان زوجي مسافر؟… لماذا تسأل؟ هل أسألك عن زوجتك؟.. نظر إلي بحنق وأسرع في تلبية مطلبي…

لن أسمح بأحد بعد الآن أن يزعجني… أعلم أن المرأة المطلقة تعيش في زنزانة كبيرة… نساء الحومة تخاف منها ورجالها يشتهينها… أعلم أني سأعيش جهيما في الخارج، لكن على الأقل سأكون في منأى من العذاب والقهر اليومي في منزلي مع ابني… لم أستطع النوم تلك الليلة، ظلت صورة التلميذة تلاحقني… هل لأن نظراتها فيها استغاثة؟ هل لأن غضبها الدفين يشبه غضبي أثناء محنتي طيلة أيام المحاكمة لطلب الطلاق؟ لا يمكن أن يكون كذلك، فهي طفلة صغيرة لازالت لم تعش بما يكفي لتتذوق جهيم المعاناة والألم … ربما أمها مريضة أو أبوها مريض… إن كان كذلك، لماذا الأطفال يتجنبونها؟… إنها أكيد مريضة أو مضطربة سلوكيا أو نفسيا… أردت أن أقنع نفسي بهذا الأمر حتى أراوغها لتسكن إلى النوم. لكن هيهات ثم هيهات، ظللت أتشقلب في فراشي يمينا ويسارا إلى أن التحقت بقسمي وأنا منهكة من قلة النوم… سأبعدها عن تفكيري، فأنا عندي من المشاكل ما تكفيني، ويجب أن أتفرغ لنفسي ولتربية ابني، كفى ألما وحزنا… لقد أقسمت أن أعيش حياتي لهذا هربت من محيطي الأول…

بينما أتناول بسكوية قبل بدأ الحصة الموالية، وإذا بي أجد فتاتي غريبة الأطوار تتسلل للقسم والدموع تنهمر على وجندتها، لم أتمالك نفسي، لحقت بها مسرعة وضممتها إلى صدري بقوة… لم أفهم سلوكي، لقد كان عفويا… شعور قوي دفعني لفعل ذلك… نظرت إلي باستغراب، وتوقفت عن البكاء، مسحت دموعها بكفها بسرعة وضمتني بقوة بكلتا يديها النحيفتين، وبدأت من جديد في البكاء. فَركت رأسها وجلست على ركبتي، أبعتها عني قليلا وقبلت خدها الأيسر، لا تبكي صغيرتي… ماذا بك؟… أسرعت لأغلق باب القسم حتى نحتفظ ببعض الخصوصية، فإذا بها تسرع من خلفي وتخرج…

أردت أن أقنع نفسي بأن أمر تلك التلميذة لا يعنيني، لكن لم أستطع… من تكون؟… ألا تعرفين حقا من تكون؟… بدأ الأستاذة بالتغامز علي… فهمست لي إحدى الأستاذات إن أمها معتقلة بسبب فيديو إباحي بعدما صورها صديقها دون علمها، وقام بنشر الفيديو في مواقع التواصل… لقد حكموا عليها بخمسة أيام سجنا نافذا بسبب تحريضها على الفساد، إنها الآن في الزنزانة 490… هل اعتقل من قام بالنشر؟… ماذا تقصدين؟… إنه حر طليق!!… لماذا؟… إنه ليس مصدر الفتنة والبغاء… كيف؟.. أليس هو من صور دون علمها؟ ألم يكونان معا؟… ما هذا؟… كيف يتحول الجاني إلى المجني عليه، والمجني عليه إلى جاني؟… كيف يعاقب واحد دون آخر؟… ألم يقدر القاضي الضرر الذي سببه لطفلتها الصغيرة؟…

كم من امرأة في زنزانة 490؟… كم من رجل في زنزانة 490؟… يا ليتني كنت قاضية حتى ألغي الزنزانة 490؟… هل أنشر صورة ابنتها ليروا حجم الألم والعذاب والقسوة التي تعيشه؟… الآن علمت، ليست التلميذة من هي المسابة باضطراب سلوكي أو مرض نفسي، بل مجتمعنا… مجتمعنا من يتمعن ويتفنن في صنع الزنازين، بدل المصحات ودور الرعاية… لماذا لا يطلبون العفو عنها كما فعلوه مع زوجي الخائن… لماذا تحاكم المرأة الضعيفة والفقيرة في بلدي بينما الآخر حر طليق… هل هي خائنة أو سارقة أو قاتلة؟… إنها فقط أرملة وأم لطفلة… إنها فقط بدون عمل، لا تملك سوى جسدا للبيع… إنها فقط بدون حماية ورعاية اجتماعية… إنها فقط نفاياتنا البشرية… ماذا يستفيد المجتمع من سجنها؟… ماذا يستفيد المجتمع من تشريد طفلتها؟…

عدت إلى تلامذتي وأنا أجر رجلي، لم أعد أستطيع السير… كلما اقتربت من القسم، وإلا وأصبحت خطواتي ثقيلة كأني أحمل أطنانا من الصخور… تخيلت خلالها أني في الزنزانة 490، وأن ابني تقذفه الأيادي ووجوه ضاحكة محلقة حولنا… ماذا لو تسلل أحدهم إلى غرفة نومي؟… صورة السجينة 490 في كل مكان… إنها تلاحقني… إنها تزعجني… لم أستطع النظر إلى التلميذة… كيف أصلح ما بداخلها؟… كيف أمحي الألم الذي يعتصر قلبها؟… كيف أعيد طفولتها المغتصبة؟… كيف أوقف الماض الذي سيلاحقها ويلاحق أمها؟… إنها لن تستطيع الهرب إلى مجتمع آخر حيث كل مواطن يحترم خصوصية مواطن آخر… توقفت قليلا أمام الصبورة السوداء والطبشور الأبيض بيدي اليمنى وأنا أستعد لقراءة نص عن سعاد وأسعد في حماية الوطن… رفعت عيني إليها ببطء شديد، فلم أجد سوى ملابسها الفضفاضة وشعرها البني العالق بطربوشها الأسود…
السبت 6 فبراير 2021

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*