استقالة الرميد الملغومة!

اسماعيل الحلوتي

باستغراب شديد تابع المغاربة الخبر الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية وصفحات التواصل الاجتماعي مساء يوم 26 فبراير 2021، حول استقالة المصطفى الرميد وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان الموجهة إلى رئيس الحكومة والأمين العام لحزب العدالة والتنمية سعد الدين العثماني. مشيرا فيها إلى أن حالته الصحية لم تعد تسمح له بالاستمرار في تحمل أعباء المسؤولية المنوطة به داخل الحكومة، ملتمسا منه رفعها إلى أنظار ملك البلاد محمد السادس.

والاستقالة هي قرار شخصي يقدم عليها صاحبها مسؤولا حكوميا كان أو غيره في شكل طلب مكتوب إلى رئيسه المباشر، يعلن فيها له عن اضطراره أو رغبته في التخلي عن مواصلة القيام بمهامه أو تحمل المسؤولية بالمنصب الذي يشغله، لدواع مختلفة ومنها الصحية، وانتظار صدور القرار النهائي سواء بالقبول أو الرفض. وينص الفصل 47 من الدستور المغربي على أنه: “…للملك بمبادرة منه بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم. كما لرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية”

والرميد صاحب الاستقالة “الملغومة” التي أثارت لغطا واسعا، ليس سوى القيادي البارز في ذات الحزب، الذي شغل منصب وزير العدل والحريات في الحكومة السابقة بقيادة عبد الإله ابن كيران الأمين العام السابق للحزب وصاحب أكبر معاش استثنائي في تاريخ المغرب المعاصر (70 ألف درهم شهريا).

وهو نفسه الذي طالما لوح باستقالته على الهواء في أكثر من مناسبة، دون أن تكون له الجرأة من قبل على تقديمها كتابة كما فعل اليوم، وبمبررات تبدو نوعا ما مقبولة من الناحية الإنسانية، وتنم عن حس وطني مسؤول، حيث أنه ربما يكون يرفض تلقي أجرا شهريا على مهام لا يمارسها، لاسيما أنه كان هو أول من رفع شعار “الأجر مقابل العمل” في وجه العاملين في قطاع القضاء، الذي  ينبغي أن يشمل الوزراء والبرلمانيين وليس فقط المضربين عن العمل.

فليس لأي كان الاعتراض على تقديم استقالته من عضويته في الحكومة أو في الحزب وغيره، مادام دستور البلاد يكفل له هذا الحق. لكن ما أثار الكثير من الاستغراب ولم تستسغه مجموعة من المواطنين، هو فجائية الاستقالة وتزامنها مع استقالة أخرى في نفس اليوم وعلى بعد بضع ساعات فقط، تهم قيادي آخر بنفس الحزب والعضو البارز في أمانته العامة، الوزير السابق وعمدة مدينة فاس ورئيس المجلس الوطني للحزب ادريس الأزمي الإدريسي، الذي وجه رسالة مطولة إلى أعضاء المجلس معبرا من خلالها عن احتجاجه على ما يراه انحرافا للحزب عن مساره بالقول: ” لم أعد أتحمل ولا أستوعب ولا أستطيع أن أفسر أو أستسيغ ما يجري داخل الحزب..”

ولأن استقالة العمدة “بيليكي” من رئاسة المجلس الوطني للحزب وأمانته العامة تعد شأنا داخليا، ولا يحق لنا الخوض فيها وقراءة ما تتضمنه سطورها من حيثيات ومبررات قد يكون بعضها أو جلها صائبا وقد يكون غير ذلك، فإن ما يهمنا هنا هو الاكتفاء بمناقشة بعض جوانب استقالة المصطفى الرميد باعتباره شخصية عامة تشرف على تدبير قطاعات ذات أهمية بالغة، منها حقوق الإنسان والعلاقة مع البرلمان، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه بسهولة في ظل المعركة التي تخوضها بلادنا ضد جائحة “كوفيد -19″، بواسطة الحملة الوطنية للتلقيح الجماعي التي أعطى انطلاقتها الملك محمد السادس مساء يوم الخميس 28 يناير 2021 من القصر الملكي بفاس. وما تتعرض له من هجمة إعلامية ممنهجة من طرف حكام قصر المرادية في الجزائر.

من هنا وبصرف النظر عما خلف تسريب “استقالة” الرميد و”تراجعه” عنها من ردود فعل متباينة، وما ذهبت إليه عديد التأويلات السياسية من كونه لم يعد يطيق ما بات يعيش الحزب على وقعه من غليان، وما يوجه لأمينه العام ورئيس الحكومة من انتقادات لاذعة، جراء ما يصفه بعض قيادييه من انزياح عن الأفكار والمبادئ التي بني عليها، وخاصة بعد التطبيع مع إسرائيل وتقنين زراعة الكيف، حيث مازالت دائرة الاختلاف بين مكونات الحزب في اتساع متواصل، وأصبحت أزمة الهوية تهدد بتمزق البيت الداخلي…

فإن هناك مجموعة من الملاحظات الدستورية والأدبية على الاستقالة، إذ خالفت عددا من الأدبيات ولم تتقيد بالبروتوكول الرسمي، حين نشرت الوثيقة الممهورة من قبل صاحبها وتم تداولها على نطاق واسع، دون أدنى احترام لمقتضيات الدستور والحفاظ على تقاليد العمل الوزاري في علاقته مع المؤسسة الملكية. فأين نحن من واجب التحفظ الذي يفترض ألا يغيب لحظة عن ذهن الرميد ومحيطه؟ ألا يعلم سيادته وهو رجل القانون، أنه في دولة المؤسسات لا يمكن إشهار واقعة الاستقالة، إلا بعد توصل الجهات المعنية بها والبث فيها؟

إن خروج استقالة مصطفى الرميد الحكومية التي لم يكن حتى أشد المتشائمين يتكهن بإقدامه عليها، بتزامن مع استقالة ادريس الأزمي الحزبية إلى العلن، ونحن على بعد بضعة شهور من إجراء الاستحقاقات الانتخابية، دون أن يعترضهما الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني، ليس لهما من تفسير آخر غير أن الأمر لا يعدو أن يكون مناورة سياسية يراد من خلالها الابتزاز والضغط في اتجاه تحقيق المزيد من المكاسب، أو أن الحزب بات فعلا على وشك التصدع والانفجار.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*