بلطجة الباجدة !

بلطجة الباجدة !

من المخجل جدا أنه في ظل الظروف الصعبة التي فرضها تفشي جائحة “كوفيد -19” وعدة إكراهات أخرى، وخلال استعدادات بلادنا لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية التي لم يعد يفصلنا عنها سوى بضعة أسابيع قليلة، أن يقوم بأفعال بلطجة نكراء وإثارة اللغط والفوضى، حزب ذو مرجعية إسلامية، يقود الحكومة لولايتين متتاليتين، دون أن يكون ضمن قيادييه شخص راشد ينهى إخوانه عن المس بالمؤسسة التشريعية والإساءة إلى سمعتها. وهو الحزب الذي جاء للسلطة رافعا شعارات الصلاح والإصلاح ومحاربة الفساد والاستبداد ونشر القيم الأخلاقية واحترام المؤسسات والديمقراطية…

فالمناصب والامتيازات وتعدد التعويضات أنست الباجدة وعودهم الانتخابية، وتناسو أن بناء المواطن الصالح لا يقتصر على القول دون الفعل أو الاكتفاء بأن يكون صالحا لنفسه وذويه وحسب، وإنما ينبغي أن يكون صالحا لنفسه ومصلحا لجميع من هم حوله في ذات الوقت.

حيث يعتبر الصلاح حركة ذاتية لا تتجاوز الداخل البشري ومحيطه الضيق، بينما الإصلاح في شموليته يعد حركة ذائبة في الإنسان نفسه وخارجه، على مستوى المجتمع ككل. وله أولوياته ومجالاته وأخلاقياته، كما أن له ثمنا وتضحيات جسيمة، مما جعل الله يدعو المؤمنين إلى الثبات على الحق حتى لو خالفهم الآخرون جميعا… فأين البيجيديون من ذلك كله؟ !

إذ قبل حتى أن ينجلي نقع العاصفة التي أثارها “صعصع” زمانه صاحب أكبر معاش استثنائي، يتحصل عليه من أموال الشعب دون أن يساهم فيه ولو بفرنك واحد، من خلال إشهار ورقة التهديد بالاستقالة واعتزال السياسة في حالة التصويت لفائدة مشروع القانون الذي تقدم به عبد الوفي لفتيت وزير الداخلية، المتعلق بتقنين زراعة نبتة القنب الهندي “الكيف”، للاستخدام الحصري في أغراض طبية وصناعية، ومصادقة الحكومة التي يرأسها خلفه في الأمانة العامة للحزب سعد الدين العثماني. علما أنه يعرف بأن حزبه يفتقر إلى أغلبية برلمانية مريحة تمنحه فرصة إسقاط المشروع…

ويعرف أيضا كرئيس حكومة سابق أن زراعة نبتة القنب الهندي، نشاط زراعي يغطي 47 هكتار في شمال المغرب، وفق ما ورد في تقرير سابق للمكتب الأمريكي الخاص بتتبع ومكافحة المخدرات.

وأن الموضوع ليس وليد اليوم، بل إن زراعة “الكيف” مؤطرة بظهير شريف صادر في فبراير 1917، وأن آلاف المزارعين الفقراء في حالة فرار من المتابعات القضائية، وتعيش أسرهم أوضاعا اقتصادية واجتماعية مزرية، بالإضافة إلى أن المغرب صوت في الأمم المتحدة خلال شهر دجنبر 2020 لصالح إعادة تصنيف نبتة القنب الهندي كمكون طبي وعلاجي، بناء على توصيات منظمة الصحة العالمية. بيد ان ابن كيران يصر من حين لآخر على استعراض عضلاته وممارسة البلطجة والابتزاز لأغراض سياسوية دنيئة…

ثم سرعان ما فوجئنا يوم الجمعة 5 مارس 2021 بإقدام الفريق النيابي للبيجيدي على خرق التدابير الاحترازية بمجلس النواب، في الوقت الذي تحترم فيه باقي الأحزاب قاعدة التمثيل النسبي المعتمد من لدن المجلس، تفاديا لانتشار عدوى فيروس كورونا المستجد. حيث أبى فريق الباجدة النيابي إلا أن يحضر بجميع أعضائه في جلسة التصويت على مشاريع القوانين الانتخابية، للإعلان عن الرفض القاطع لتعديل القاسم الانتخابي، مما أحدث فوضى عارمة أدت إلى توقف الجلسة العمومية التشريعية، من غير أن ينتصر على باقي الفرق النيابية في المعارضة والأغلبية التي اجتمعت على قلب رجل واحد، واستطاعت في الأخير تمرير التعديل الرامي إلى احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين وليس بناء على عدد المصوتين الذي كان معمولا به. وهي ضربة أخرى أفقدت “وليدات” العثماني توازنهم، لما يرونه في التعديل الجديد من انعكاسات على نتائج الانتخابات قبل حتى اجرائها…

وليس الهجوم الشنيع على مجلس النواب إلا نوعا من “البلطجة” التي يلجأ إليها الباجدة كلما كان هناك ما يتعارض مع مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة، وإن لا لم التهديد بتدمير الانتخابات إذا ما تجرأت الأحزاب الأخرى على تغيير القاسم الانتخابي. والبلطجة ظاهرة يعتمدها “الباجدة” في محاولة يائسة لبسط هيمنتهم وترهيب الآخرين. حيث انهم لم يستسغوا إجماع كل الأحزاب على مطلب اعتماد القاسم الانتخابي على عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، الذي يرون فيه إخلالا بالاختيار الديموقراطي وتكريسا للعزوف عن الانتخابات، فضلا عن المساهمة في بلقنة المجالس المنتخبة، فيما يرى غيرهم أن القاسم الانتخابي الجديد يجسد البعد الديموقراطي، يتيح الفرصة لكافة الأحزاب الوطنية في أن تحظى بالتمثيلية داخل مجلس النواب وتكوين فرق نيابية مكتملة العدد، ويقوي التمثيلية الديموقراطية…

فكثيرة هي المحطات التي يلوذ فيها الباجدة بالبلطجة، دفاعا عن مكاسبهم وفرض إرادتهم، وإن لا ما كان لكبيرهم أن ينعتهم ب”البلطجية” وخاصة منهم تيار الاستوزار المقربين من خلفه العثماني. إذ شدد في لقاء مع قيادات شبيبة الحزب على انتهازية بعضهم وانحرافهم عن فكرة الإصلاح، وتكريس جل اهتماماتهم للبحث عن المزيد من المكاسب والامتيازات…

إننا اليوم أمام حزب يحتضر بعد أن قضى عشر سنوات كاتما على أنفاس المغاربة، الذين لم يعرفوا خلالها عدا الويلات والأزمات، وتأكد لهم بما لا يدع مجالا للشك أن مصلحة المواطن هي آخر هموم الباجدة، الذين أعمتهم نرجسيتهم وبراغماتيتهم عن رؤية حقائق الأمور، وبات شغلهم الشاغل هو البلطجة وافتعال المعارك، الانبراء لكل المقترحات المتعارضة مع مطامحهم الخاصة، وعدم احترام قواعد اللعبة والتوازنات السياسية… فأي تسلط أفظع مما هم عليه اليوم في سائر المؤسسات المنتخبة ؟ !

اسماعيل الحلوتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*