بنعتيق يكتب: توثرات شرق البحر الأبيض المتوسط: تعقيدات مرحلية أم تحولات جيو سياسية ؟

عبد الكريم إبنوعتيق، وزير سابق

عضو مركز الدراسات الديبلوماسية و   الإستراتيجية بباريس/ وزير سابق

مجموعة من الدول تطل على شرق البحر الأبيض المتوسط من بينها مصر و اليونان و قبرص و لبنان و السلطة الفلسطينية و تركيا و سوريا و إسرائيل، الإكتشافات الأخيرة للغاز الطبيعي بكميات كبيرة أدت إلى بروز صراعات ذات طابع جيو إقيلمي، إنضافت إلى التعقيدات الموجودة في الفضاء المتوسطي منذ زمن بعيد ، يجب التأكيد هنا على أن تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة أتاح الفرصة حسب المتتبعين، لموسكو لكي تتموقع من خلال بوابة دمشق بحثا عن موطئ قدم ، زد على هذا بروز فاعلين إقليميين جدد على رأسهم تركيا التي تصارع دفاعا عن مصالحها من خلال مشروعها ” الوطن الأزرق” ، كجواب على التكثلات و التحالفات التي تهدف إلى إعادة ترتيب خريطة جديدة للضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط .
تكثل طاقي أم تحالف مستقبلي ؟
للحفاظ على مصالحها المشتركة، بادرت بعض الدول المطلة على شرق البحر الأبيض المتوسط في يناير 2019 ، إلى تأسيس إطار أطلق عليه ” منتدى غاز شرق البحر الأبيض المتوسط” ، تم الإتفاق على أن تحتضن القاهرة مقر هذه الهيئة الجديدة ، بعد ذلك و بمدة قصيرة أي في شتنبر 2020، تم تحويل المنتدى إلى منظمة إقليمية، هدفها تطوير العلاقات القائمة بين الدول المعنية بالإكتشافات الطاقية الجديدة، هذه التقاربات مهدت الطريق إلى التوقيع على العديد من الإتفاقيات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، مثل إتفاق قبرص لبنان سنة 2005 ، و إتفاق قبرص و إسرائيل سنة 2010 لتحديد المنطقة الإقتصادية الخالصة بينهما، ثم إتفاق قبرص و مصر سنة 2012 ، و إتفاق اليونان و إيطاليا سنة 2020، ثم إتفاق اليونان و مصر سنة 2020 ، و بالرغم من هذه المجهودات الهادفة إلى وضع إطارات قانونية إنسجاما مع روح القانون الدولي ، إلا أن هناك خلافات جوهرية لا زالت قائمة إلى حدود اليوم، مثل الخلاف اللبناني الإسرائيلي و الخلاف التركي اليوناني القبرصي حول تحديد المياه الإقليمية في بحر ” إيجي” ، بعد رفض تركيا تحديد قبرص للمنطقة الإقتصادية الخالصة، مما دفع بأنقرة إلى التوقيع مع حكومة الوفاق الليبية في نونبر 2019 على إتفاقية لترسيم الحدود البحرية بينهما، هذه الخطوة أثارت حفيظة اليونان و قبرص اللتان إعتبرتا الإتفاق بمثابة إنتهاك لحدودهما البحرية.
القوى الكبرى تتابع عن كتب توثر العلاقات بين تركيا و بعض دول الإتحاد الأوربي خاصة فرنسا ، هذه الأخيرة تعي جيدا أن أنقرة تربط بشكل جدلي بين التواجد في ليبيا و بين الدفاع عن مصالحها في شرق البحر الأبيض المتوسط ، فحضور تركيا في ليبيا حسب المختصين هو المفتاح لتحصين أمنها الطاقي على المدى البعيد ، الخلافات الأخيرة كادت أن تؤدي إلى مواجهات بحرية ، مما دفع بمجموعة من الدول إلى البحث عن تحالفات قبلية تجسدت في مناورات عسكرية عديدة ضمت مجموعة من الدول المطلة على شرق المتوسط أو القريبة منه، مثل مناورات ” سيف العرب” التي عرفت مشاركة قوات من مصر و السعودية و الإمارات العربية المتحدة و الأردن و البحرين بقاعدة محمد نجيب في نونبر 2020 ، ثم المناورات المشتركة بين فرنسا و اليونان و قبرص و مصر و الإمارات العربية المتحدة ، و بالرغم من هذه التحركات فإن المتتبعين يؤكدون على وجود إختلافات بنيوية في تركيبة الدول المعنية بالإكتشافات المتعلقة بالغاز الطبيعي في الضفة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، مما يشكل عائقا أما بروز تحالفات منسجمة و دائمة على المستوى السياسي و العسكري.
– تركيا مصر و إسرائيل إختلاف في المقاربات و الرؤى
الإكتشافات المهمة للغاز الطبيعي بثلاث مناطق بشرق الأبيض التوسط، سواء في مصر من خلال حقل ” الزهر” ” Zohr ” أو في إسرائيل من خلال حقل ” ليفيا تون” ” Léviathan ” أو في قبرص من خلال حقل ” أفروديت” ” Aphrodite ” ، بإحتياطات مؤكدة تصل حسب الخبراء إلى 1440 مليار متر مكعب ، مما دفع بدول عديدة مطلة على شرق المتوسط إلى التفكير في مشروع مستقبلي مشترك لتصدير الغاز عبر أنبوب يمر من اليونان نحو إيطاليا و منها إلى دول الإتحاد الأوربي ، مما قد يشكل منافسة مباشرة لأنبوب الغاز القادم من أذربيجان و المسمى بأنبوب ” BTC” أي باكو تبليسي وشيان ( Bakou – Tbilissi-Ceyhan) العابر لتركيا نحو أوربا ، رد فعل أنقرة تمثل في إرسال بواخر للتنقيب عن الغاز في المنطقة الإقتصادية الخالصة لليونان، مما إعتبره البعض تهديدا لإستقرار المنطقة بأكملها ، المختصون في قضايا الغاز الطبيعي يرون أن تكاليف التنقيب بالنسبة لتركيا هي أغلى من فاتورة إستيرادها للغاز ، لكن هذه الأخيرة لها رغبة في تأمين نوع من الإستقلالية من المزودين الأجانب مع الإصرار على التموقع كملتقى إقليمي للغاز الطبيعي، مستعملة بشكل ذكي و برؤية إسترايجية تواجدها في ليبيا، بالنسبة لمصر و إسرائيل إختارتا الإبتعاد عن الدخول في الخلافات الإقليمية، فمصر تنتقل تدريجيا من دولة مستوردة للغاز إلى دولة مصدرة، تنتج حاليا 6.6 مليار متر مكعب في اليوم بإرتفاع وصل إلى 30% بالمقارنة مع سنة 2016 ، منذ عشر سنوات و الإكتشافات تتواصل لاسيما في مياه البحر الأبيض المتوسط، أهم الأبار تم التنقيب عليها من طرف الشركة الإيطالية ” ENI ” ، الإحتياطات الكبيرة في المياه العميقة في الحقل المسمى ” الزهر” و التي تقدر ب 850 مليار متر مكعب قابلة للإستخراج و الإستغلال، هي أكبر إحتياطي موجود في البحر الأبيض المتوسط ، لا يبتعد إلا ب 170 كلم على السواحل المصرية، الشركة الإيطالية المكلفة بالإستغلال تملك 60% ، تنازلت للشركة الروسية ” روس نفط” على 30%، و لشركة ” BP ” على 10% ، الفاعل الإيطالي في مجال الغاز له إتفاقيات عديدة مع الشركة المصرية “EGPC ” ” Egyptian General Petroleum Corporation “، داخل مصر و خارجها ، في غشت 2020 مصر وقعت مع اليونان على إتفاقية تهم الجوانب البحرية كجواب على الإتفاق التركي الليبي الموقع نهاية 2019 ، القاهرة تحافظ على علاقة متوازنة مع إسرائيل ، وقعت على إتفاقيات مع موسكو تشمل مجالات عديدة ، حافظت على شراكة إستراتيجية مع واشنطن ، لها تقارب مع بكين، و تحاول الحفاظ على خيوط الإتصال مع دمشق و طهران، تركيا متوجسة من التقارب الحاصل بين القاهرة و اليونان و قبرص لا سيما و أن أثينا و مصر وقعتا سنة 2014 على إتفاق تعاون يشمل لأول مرة جوانب عسكرية تتعلق بالتكوين و القيام بتمارين مشتركة، بالنسبة لإسرائيل إكتشافات الغاز إنطلقت منذ سنة 2009 بحقل ” طمار” بإحتياطات تقدر 260 مليار متر مكعب، ثم حقل ” دالي” و ” ليفيانتي” ب 650 مليار متر مكعب، ثم حقل ” دول فين” ب 2.3 مليار متر مكعب، ثم حقول ” سارة و ميرا” ب 180 مليار متر مكعب، ثم حقل” طنين” ب 31 مليار متر مكعب، فحقل ” كاريش” ب 51 مليار متر مكعب، ثم حقل ” رويي” ب 91 مليار متر مكعب، و أخيرا حقل ” سيمهون” ب 15 مليار متر مكعب ، إحتياطات إسرائيل المؤكدة تصل إلى 1500 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي ، تل أبيب تراهن على شيئين أساسيين : الأول هو تحقيق الإستقلالية الطاقية، و الثاني هو التحول إلى بلد مصدر لهذه المادة من خلال الدفع بمشروع أنبوب شرق البحر الأبيض المتوسط العابر لقبرص و اليونان.

نحو أوربا يجب الإشارة هنا إلى أن المتتبعين للشأن الإستراتيجي للشرق الأوسط ، إعتقدوا في البداية أن إكتشافات الغاز قد تؤدي إلى تصدع في العلاقة القائمة بين مصر و إسرائيل أو إلى منافسة شرسة بينهما، العكس هو الذي حصل ، فالشراكة بين القاهرة و تل أبيب عرفت تطورات في مجالات متعددة، مؤطرة بنوع من الوعي الثنائي الذي يعطي الأولوية للتنسيقات الدبلوماسية و الأمنية على حساب المنافسة التجارية.
– اليونان و قبرص و محدودية غطاء الإتحاد الأوربي
إلى حدود سنة 1972 ، لم تكن هناك مشاكل مطروحة بين اليونان و تركيا حول إشكالية بحر ” إيجي” ، ذلك أن البواخر التركية كانت تتمتع بحرية المرور نحو البحر الأبيض المتوسط ، ظهرت بعض المشاكل عند إكتشاف البترول قرب جزيرة ” طاسوس” اليونانية ، تركيا طالبت آنذاك بنصيبها من هذا البترول من خلال التأكيد على ضرورة تقسيم بحر ” إيجي” ، و ذلك بإعادة االنظر في إتفاقية لوزان لسنة 1923 ، لمجابهة هذا الوضع اليونان طورت علاقتها مع إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية بحثا عن تحالف قادر على خلق نوع من التوازن مع الجار التركي، و معلوم أن الولايات المتحدة الأمريكية تتوفر على قاعدة عسكرية باليونان و أخرى في طور التهيئ في شمال هذا البلد ، الصين هي الأخرى حاضرة بإستثمارات ضخمة باليونان لا سيما في ميناء ” بيري” الذي يعد من أكبر الموانئ الأوربية المتخصصة في شحن البضائع ، أنقرة واعية بأن الأزمة المالية التي مست اليونان في السنوات الأخيرة قد أثرت على إمكانياتها العسكرية، نظرا لسياسة التقشف التي فرضتها بروكسيل ، و بالرغم من أن ميثاق الإتحاد الأوربي ينص في البند 42.7 على أنه في حالة تعرض عضو من الإتحاد إلى إعتداء عسكري فإن الدول الأعضاء مطالبة بتوفير كل شروط الدعم ، اليونان و كذلك جزيرة قبرص تعرضتا حسب الأخبار الواردة من المنطقة لمس بسيادتهما ، رد فعل بروكسيل إقتصر على تصريح المجلس الأوربي في يونيو 2019 ، و الذي عبر عن إنشغاله بعملية التنقيب التي تقوم بها تركيا في بحر الأبيض المتوسط ، بإستتناء فرنسا التي تدعم عسكريا اليونان إستمرارا لإرث تاريخي منذ أن قرر الجنيرال دوغول تزويد هذا البلد بالأسلحة الفرنسية ، مؤخرا وافقت باريس على صفقة عسكرية لصالح اليونان، تضم ثماني طائرات رافال و أربع فرقاطات بالإضافة إلى أربع طائرات هيليكوبتر ذات الإستعمالات البحرية العسكرية، كما أعلنت الحكومة اليونانية عن برنامج لتوظيف 15 ألف جندي، في ظل هذه الأجواء المحتقنة تم تنظيم من طرف كل من فرنسا و اليونان وقبرص مناورات عسكرية مشتركة في 26 و 28شتنبر 2020 ، في الجهة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، جواب الرئيس التركي كان واضحا هو أن أنقرة لن تتنازل عن حقوقها في البحر الأسود و في بحر “إيجي”، و أنها ستستعمل كل الوسائل السياسية و الإقتصادية و العسكرية.

لقطع الطريق على هذا الموقف التركي، رخصت قبرص لمجموعة من الشركات قصد الشروع في التنقيب على الغاز من بينها ” نيبل إينيرجي” الأمريكية ، و الشركة المختلطة الإيطالية الكورية الجنوبية ” إيني كوكاص” ، و الفرنسية “طوطال” ، و الأمريكية “إيكسن موبيل” بشراكة مع القطرية “بيتروليوم” ، هذه الشركات بالرغم من التهديدات التركية لازالت تشتغل إلى يومنا هذا في جزيرة قبرص، هذا ما يفسر رغبة أنقرة مؤخرا في خلق أجواء إقليمية جديدة، و ذلك بقراءة برغماتية و بحس إنتقائي مقصود ، الهدف من ذلك هو الإبتعاد عن سياسة التوثرات مع كل من إسرائيل و مصر قصد قطع الطريق على أي تدخل أوربي في الإشكالات القائمة حاليا في شرق الأبيض المتوسط، مع محاولة فتح صفحة جديدة مع باريس، القناة الوحيدة القادرة على الضغط على أثينا و قبرص لجرهما لمفاوضات مع تركيا، يعتبرها المختصون صعبة على المدى القريب نظرا لغياب الثقة بين الأطراف الأساسية من جهة، و لوجود إرث تاريخي حاضر في أدهان صناع القرار، يشكل حاجزا أمام إيجاد توافقات مبنية على مصالح متفاوض عليها و مقبولة من طرف الجميع.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*