الشبابيك الحديدية… حين يتحول الخوف من اللصوص إلى حكم بالإعدام
يقلم عبدالهادي بريويك
في كل مرة تندلع فيها النيران داخل منزل، تتكرر المأساة نفسها.
صرخات استغاثة، ألسنة لهب تلتهم الجدران، وأسر تبحث عن منفذ للنجاة.
يركض الأب نحو النافذة، وتحاول الأم إنقاذ أطفالها، لكن الجميع يصطدم بحقيقة قاسية: النافذة مغلقة بقضبان حديدية لا ترحم.
في تلك اللحظة، لا يكون العدو هو الحريق وحده، بل ذلك الحديد الذي وُضع يوما ما بحثا عن الأمان.
الحديد الذي كان يفترض أن يحمي الأسرة من اللصوص، يتحول فجأة إلى سجن قاتل يمنع الخروج ويمنع الإنقاذ ويغلق آخر أبواب الحياة.
لقد انتشرت الشبابيك الحديدية في أحيائنا ومدننا حتى أصبحت جزء من المشهد اليومي.
والسبب مفهوم؛ فالناس تخشى السرقة وتبحث عن وسائل لحماية ممتلكاتها وأسرها.
لكن السؤال الذي يجب أن نمتلك الشجاعة لطرحه هو: كم عدد الأرواح التي فقدناها بسبب هذه القضبان؟
وكم من طفل أو امرأة أو مسنّ كان يمكن أن ينجو لو وجد نافذة واحدة قابلة للفتح؟
إن اللص قد يسرق مالا أو متاعا، لكن الحريق قد يسرق حياة كاملة.
وبين خسارة الممتلكات وخسارة الأرواح، لا ينبغي أن يكون هناك أي تردد في ترتيب الأولويات.
المؤلم في الأمر أن كثيرا من المنازل تحولت إلى ما يشبه الأقفاص الحديدية.
أبواب محصنة، ونوافذ مغلقة بالقضبان، وشرفات مسيجة بالكامل، دون التفكير في لحظة الطوارئ.
وعندما تقع الكارثة، يكتشف الجميع أن إجراءات الحماية التي اعتمدوها لم تكن سوى فخاخ صامتة تنتظر لحظة الانقضاض.
إن المأساة ليست في وجود الشبابيك الحديدية فقط، بل في غياب رؤية متكاملة للسلامة السكنية.
فكيف نقبل ببناء مساكن لا توفر مخارج نجاة؟ وكيف نسمح باستمرار تصاميم تجعل الوصول إلى الضحايا مستحيلا أمام فرق الإنقاذ؟ وكيف نعتبر أن حماية الممتلكات أهم من حماية الإنسان نفسه؟
لقد حان الوقت لمراجعة هذا الواقع بجرأة ومسؤولية. نحتاج إلى شبابيك آمنة قابلة للفتح عند الطوارئ، ونحتاج إلى معايير بناء تضع سلامة السكان فوق كل اعتبار، ونحتاج إلى حملات توعية تذكر الناس بأن المنزل الآمن ليس ذلك الذي يمنع دخول اللصوص فقط، بل ذلك الذي يسمح بالخروج منه عند الخطر.
إن كل حريق يكشف لنا حقيقة مؤلمة: الخوف من السرقة دفعنا أحيانا إلى بناء سجون بأيدينا.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع اليوم ليس كيف نزيد من سماكة القضبان الحديدية، بل كيف نحمي الإنسان دون أن نحاصره.
فحين تشتعل النيران، لا يبحث الإنسان عن مزيد من الحديد… بل يبحث عن نافذة للحياة.
