“مليار يورو ” للحوز.. لكن أين وصلت أموال الكارثة؟ وهل غادرت التنمية خيام المنكوبين؟
سياسي: رشيد لمسلم
بعد مرور ما يقارب ثلاث سنوات على الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم الحوز ومناطق واسعة من الأطلس الكبير في الثامن من شتنبر 2023، عاد ملف إعادة الإعمار إلى الواجهة من جديد مع الإعلان الرسمي عن الشطر الثاني من برنامج “إعادة إعمار المغرب بعد الزلزال” بقيمة 500 مليون يورو، في إطار تمويل إجمالي يصل إلى مليار يورو من البنك الأوروبي للاستثمار بدعم من الاتحاد الأوروبي.
الخبر في ظاهره يحمل مؤشرات إيجابية.
فالمغرب يواصل حشد التمويلات الدولية، وشركاؤه الأوروبيون يجددون ثقتهم في مسار إعادة البناء.
لكن خلف لغة الأرقام والبلاغات الرسمية، تطرح أسئلة ثقيلة نفسها بإلحاح: ماذا تغير فعلا في حياة آلاف الأسر المتضررة؟ وهل وصلت جهود الإعمار إلى المستوى الذي كانت تنتظره الساكنة؟ وأين وصلت أموال صندوق تدبير آثار الزلزال الذي أُحدث مباشرة بعد الكارثة؟
من الإغاثة إلى التنمية… أم من الوعود إلى الانتظار؟
السلطات المغربية تؤكد أن المرحلة الأولى بين 2023 و2025 ركزت على التدخلات الاستعجالية، من إعادة بناء المدارس والمراكز الصحية إلى إصلاح الطرق وفك العزلة عن الدواوير الجبلية.
أما المرحلة الثانية الممتدة إلى غاية 2030 فتتجاوز منطق إعادة البناء نحو إرساء نموذج تنموي جديد قائم على الصمود والاندماج المجالي.
غير أن هذا الخطاب يصطدم أحيانا بشهادات ميدانية متواترة تتحدث عن أسر ما تزال تنتظر استكمال بناء مساكنها، وأخرى تواجه صعوبات مرتبطة بالتمويل أو بالتعقيدات الإدارية أو بارتفاع تكاليف البناء في المناطق الجبلية.
وبين لغة المؤسسات ولغة الواقع، تتسع فجوة تحتاج إلى إجابات أكثر من حاجتها إلى بلاغات احتفالية.
صندوق الكوارث الطبيعية… الحصيلة الغائبة:
عقب الزلزال، تم إطلاق تعبئة وطنية غير مسبوقة، كان أبرز تجلياتها إحداث صندوق خاص لتدبير آثار الكارثة، إلى جانب مساهمات عمومية وتبرعات من مؤسسات ومقاولات ومواطنين داخل المغرب وخارجه.
لكن مع مرور الوقت، بدأ سؤال الشفافية يفرض نفسه بقوة: كم بلغت الموارد الإجمالية التي تم جمعها؟ وما حجم الأموال التي تم صرفها فعليا؟
وما نسبة المشاريع التي اكتملت مقارنة بما تم الإعلان عنه في البرنامج الملكي لإعادة الإعمار؟
هذه الأسئلة لا تعكس تشكيكا في الجهود المبذولة بقدر ما تعكس حاجة الرأي العام إلى تقييم موضوعي للحصيلة، خاصة أن حجم التمويلات المعلن عنها، سواء الوطنية أو الدولية، أصبح يناهز مستويات استثنائية في تاريخ تدبير الكوارث الطبيعية بالمغرب.
500 مليون يورو جديدة… اعتراف بالنجاح أم مؤشر على استمرار الحاجة؟
التوقيع على الشطر الثاني من التمويل الأوروبي يمكن قراءته من زاويتين مختلفتين:
الزاوية الأولى ترى فيه شهادة ثقة دولية في قدرة المغرب على تنفيذ برامج إعادة الإعمار، ودليلا على متانة الشراكة الاستراتيجية مع المؤسسات الأوروبية.
أما الزاوية الثانية فتعتبر أن استمرار الحاجة إلى تمويلات ضخمة بعد سنوات من وقوع الكارثة يكشف حجم التحديات التي ما تزال قائمة على الأرض، ويؤكد أن طريق التعافي الكامل ما يزال طويلا وشاقا.
فالحديث اليوم لم يعد فقط عن بناء جدران وأسقف، بل عن إعادة بناء اقتصاد محلي بكامله، وإنقاذ قرى مهددة بالهجرة، وتوفير فرص الشغل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية في مناطق كانت تعاني أصلا من هشاشة بنيوية قبل الزلزال.
التنمية المؤجلة في جبال الأطلس
ربما تكون الرسالة الأهم التي يبعث بها هذا التمويل الجديد هي أن زلزال الحوز لم يكن مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل كشف اختلالات تنموية تراكمت لعقود في مناطق جبلية ظلت خارج دائرة الاستثمارات الكبرى.
لذلك فإن نجاح برنامج الإعمار لن يقاس بعدد المنازل التي أعيد بناؤها فقط، بل بقدرته على تحويل المأساة إلى فرصة تاريخية لإنصاف العالم القروي الجبلي، وربط القرى بالبنيات الأساسية، وضمان شروط العيش الكريم للأجيال القادمة.
بين الأمل والمحاسبة
يبقى الإعلان عن 500 مليون يورو إضافية خبرا إيجابيا دون شك، لكنه يعيد في الآن ذاته فتح ملف أكبر: ملف تقييم ما تحقق فعلا منذ ليلة الزلزال.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات المالية الدولية عن “نموذج تنموي جديد” و”تعزيز الصمود”، ينتظر آلاف المتضررين إجابات ملموسة بلغة أبسط: متى تنتهي الأشغال؟ متى يعود الاستقرار الكامل إلى القرى المنكوبة؟ وكيف صُرفت الأموال التي جُمعت باسمهم؟
أسئلة قد تبدو محرجة، لكنها تظل جزء أساسيا من أي نقاش ديموقراطي حول واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.
