أريري: جزر الكناري تدفع ضريبة النجاح.. السكان ينتفضون ضد إغراق الجزر بالسياح

أريري: جزر الكناري تدفع ضريبة النجاح.. السكان ينتفضون ضد إغراق الجزر بالسياح

كتبها: الصحافي عبد الرحيم أريري 

إذا جمعنا الحوض الساحلي الممتد من بلدة “إيلميدانو” El Medano إلى موقع “لاس أميريكا” Las Americas بجزيرة “تينيريفي”، وألحقناه بالحوض الممتد من ساحل San Agustin إلى مارينا بلدية Mogan بجزيرة “غران كناريا”، سنحصل على شريط ساحلي طوله 25 كيلوميتر بكل حوض على حدة، يوفر طاقة استيعابية لحوالي 200 ألف سرير، بشكل يجعل “جزر الكناري” قادرة على تلبية واستيعاب 5 ملايين سائح سنويا، مع ما يتطلبه إيوائهم من تلبية كل حاجياتهم لقضاء عطلة ممتعة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين.

الحوضان المذكوران هما أهم خزان سياحي بجزر الكناري، على اعتبار أن الشريطين المعنيين يحتكران لوحدهما 60% من مجموع السياح الذين يتقاطرون فرادى وجماعات على أرخبيل الكناري المكون من سبع جزر.

 

المشاريع السياحية الممتدة على طول ساحل جنوب جزيرة “تينيريفي” أو جزيرة “غران كاناريا”، زاوجت بين الفنادق المختلفة الأحجام والشقق والدور الفردية Bungalows، فتحولت معها الجزيرتين إلى “جنة” للأوربيين القادمين بالأساس من بريطانيا وهولندا وألمانيا والدول الإسكندنافية، بحثا عن شمس دافئة طوال السنة، هربا من جحيم البرد القارس والظروف المناخية السيئة التي تولد الكآبة.

 

الوثبة السياحية بجزر الكناري ليست وليدة اليوم، بل هي حصيلة تراكم تمتد جذوره إلى أواخر القرن 19. إذ بعد أن يئست بريطانيا من الاستيلاء على جزر الكناري رغم تعدد مواجهاتها العسكرية مع الإسبان طوال القرن 18، للتحكم في هذا الموقع الاستراتيجي في الملاحة البحرية خاصة في العلاقة التجارية مع أمريكا، بدأ البريطانيون يغيرون نظرتهم لأرخبيل الكناري بتحويله إلى الوجهة المفضلة لهم لقضاء العطل. 

 

ومع التطور التكنولوجي في وسائل النقل البحري ورفع طاقة السفن في عدد الركاب في النصف الثاني من القرن 19، زادت وتيرة البريطانيين القاصدين “تينيريفي”، مما ولد الحاجة إلى بناء مطاعم ومحلات لإيوائهم أثناء إقامتهم المؤقتة.

وتعد سنة 1886، تاريخا مفصليا في تخصص جزر الكناري في وظيفة السياحة، إذ بدأ البريطانيون يروجون بقوة لمنافع الإقامة والسكن بجزر الكناري، خاصة من حيث جودة الهواء والشمس الدائمة طوال العام والبحر الجميل وتأثير ذلك على الصحة العامة، فكانت تلك السنة المنطلق لبدء إنجاز فنادق بالمعنى العصري، خاصة بجزيرة “تينيريفي”.

 

لمواجهة هذا التدفق البريطاني، قامت الإدارة الإسبانيةبين سنتي 1905 و1912، بخلق لجن هدفها مواكبة هذا الانتعاش السياحي في جزيرة “تينيريفي”.

 

بعد الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من انتعاش الاقتصاد الأوربي بفضل مخطط مارشال الأمريكي، بادرت إسبانيا إلى إصدار قانون سنة 1952 يعفي موانئ جزر الكناري من الضرائب، فتحولت جزيرتي “تينيريفي” و “غران كناريا” إلى قطب جذب مهم للأوربيين، فوقعت فورة اقتصادية وتعددت الأنشطة التجارية والخدماتية.

 

في أواخر سنوات الخمسينيات من القرن العشرين، وقع حدث مهم زاد من الطفرة السياحية بجزيرة “تينيريفي”، ألا وهو الربط الجوي بين الجزيرة وأوربا مما سهل تنقل سياح بريطانيا وهولندا وألمانيا ودول الشمال. وكان ذلك إيذانا بالانطلاقة الفعلية لصناعة سياحية قوية بجزر الكناري.

 

ولما استتب الأمر للديكتاتور “فرانكو” وأحكم قبضته على إسبانيا، رد الجميل لجزيرة “تينيريفي”(لأنها كانت المنطلق لإعلان الانقلاب العسكري)، وفتح الباب على مصراعيه للاستثمارات الأوربية الباهضة لتطوير المشاريع السياحية الساحلية، ليس بجزيرة “تينيريفي” لوحدها، بل بعموم جزر الكناري.

ولم يقف فرانكو عند هذا الحد، بل بادر في مطلع السبعينيات، إلى تمكين “تينيريفي” من المشاريع الطرقية الكبرى لربط شمال الجزيرة بجنوبها.

 

وما أن حلت سنوات التسعينيات من القرن الماضي حتى أضحت جزر الكناري تعاني من تخمة في السياح، وهي التخمة التي فاقمتها الأزمة النفطية التي دفعت كبريات الشركات السياحية ووكالات الأسفار إلى التكيف مع السوق وابتكار “سياحة الجمهور الواسع” أو “السياحة المكثفة” Tourisme de masse. فانتقل عدد زوار جزر الكناري من 5 ملايين سائح عام 1990 إلى 10 ملايين عام 2000.

 

ومع ازدياد عددالرحلات المنخفضة الكلفة Low Cost التي تدمج كل الخدمات في عرض واحد Offre Packagée، أضحت جزر الكناري تستقبل اليوم 15 مليون سائح سنويا، علما أن عدد سكانها لا يتجاوز 2،6 مليون نسمة !! مما جعل جزر الكناري تصبح “ضحية لنجاحها”، وهو ما قاد العديد من الأصوات المحلية إلى المطالبة بوجوب وقف هذا “التسونامي السياحي” Le Surtourisme، والدعوة إلى وقفة للتوفيق بين الضرورة السياحية والاقتصادية من جهة والحفاظ على صفاء وبهاء أرخبيل الكناري من جهة ثانية.

 

ولعل المظاهرة الاحتجاجية التي سبق تنظيمها في أبريل 2024، بمشاركة 60.000 من سكان جزر الكناري، قد تكون بداية للعداد العكسي لإبراز أن جزر الكناري لديها حدود لا ينبغي تجاوزها في “الإغراق السياحي”.

 

ألم يرفع المتظاهرون بجزيرة “تينيريفي” في أبريل 2024 شعار:” لقد بلغ السيل الزبى، إن سكان جزر الكناري يتعرضون للإنهاك” !!

 

ملحوظة:

الصورة بساحل Adeje، جنوب جزيرة تينيريفي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*