فنجان بدون سكر:
رشيد حموني.. حين تتحول المعارضة إلى صوت للمواطنين لا إلى مجرد موقف سياسي
بقلم: عبدالهادي بريويك
في زمن أصبحت فيه السياسة عند البعض مجرد أرقام انتخابية وخطابات مناسباتية عابرة، برز رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، كواحد من الوجوه البرلمانية التي اختارت طريقا أكثر صعوبة: طريق المعارضة المسؤولة، الجريئة، والمنتصرة لقضايا المواطنين قبل أي حسابات أخرى.
منذ انتخابات 2021، لم يكن الرجل يبحث عن الأضواء، بل عن الملفات التي تؤرق المغاربة.
لم يكن همه تسجيل المواقف من أجل العناوين العريضة، بل تحويل البرلمان إلى فضاء حقيقي للمساءلة والمحاسبة والدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين.
ولذلك، لم يكن غريبا أن يتحول اسمه خلال هذه الولاية التشريعية إلى أحد أكثر الأسماء حضورا في النقاش العمومي والسياسي، سواء داخل قبة البرلمان أو في وسائل الإعلام أو في مختلف اللقاءات السياسية والفكرية.
معارضة تزعج لأنها تلامس الحقيقة
هناك من يحاول اختزال العمل البرلماني في عدد الأسئلة أو المداخلات، لكن المتتبع المنصف يدرك أن القيمة الحقيقية للمعارضة تكمن في قدرتها على طرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون.
وهنا بالضبط برز رشيد حموني.كنائب برلماني حامل للفكر التقدمي
فعندما التزم كثيرون الصمت أمام موجة الغلاء التي أنهكت الأسر المغربية، كان من أوائل الأصوات التي دقت ناقوس الخطر، مطالبا الحكومة بتقديم أجوبة واضحة حول أسباب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وعندما أصبح المواطن المغربي يتساءل عن مصير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام والأبقار، لم يتردد في رفع هذا الملف إلى أعلى مستويات النقاش السياسي والبرلماني، مطالبا بالشفافية الكاملة وكشف الحقائق للرأي العام.
ملف “الفراقشية”.. المعركة التي هزت الرأي العام
قد يختلف الناس حول المواقف السياسية، لكنهم لا يختلفون حول حقهم في معرفة كيف تصرف الأموال العمومية.
ومن هذا المنطلق، خاض رشيد حموني واحدة من أبرز المعارك السياسية خلال هذه الولاية، حين طالب بكشف تفاصيل الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي، والتأكد من مدى انعكاسه على الأسعار التي يدفعها المواطن المغربي مطالبا بتخليق الدستور وخلق لجنة تقصي الحقائق حول الملايير التي صرفت والتي استفاد منها أطراف تابعة للحكومة، هذه اللجنة التي ماتت في مهدها بإيعاز ممن ألفوا امتصاص “البزولة “حتى ماتت الحقيقة في مهدها.
لقد كان سؤالا بسيطا في ظاهره:
إذا كانت الدولة قد خصصت دعما بمبالغ ضخمة، فلماذا لم يشعر المواطن بأثر ذلك في السوق؟
هذا السؤال البسيط كان كافيا لإثارة نقاش وطني واسع، لأن جوهر السياسة الحقيقية ليس تبرير القرارات، بل مساءلتها ومراقبة نتائجها.
ولذلك لم يكن غريبا أن تصبح خرجاته الإعلامية حول هذا الملف من أكثر المواقف تداولا وتأثيرا في الرأي العام.
بين الصمت والكلام… اختار حموني الكلام
في كثير من المحطات، كان بإمكان المعارضة أن تختار الطريق الأسهل: الصمت.
لكن رشيد حموني اختار الطريق الأصعب: المواجهة الديموقراطية بالحجة والوثيقة والسؤال البرلماني والمرافعة السياسية.
• لم يهاجم الأشخاص، بل ناقش السياسات.
• لم يبحث عن الخصومات، بل عن الأجوبة.
• لم يجعل من المعارضة غاية في حد ذاتها، بل وسيلة للدفاع عن المواطنين.
وهذا ما جعل حضوره يحظى باحترام حتى لدى خصومه السياسيين الذين يختلفون معه في التوجهات والمواقف.
إلى منتقديه: ماذا كان يجب أن يفعل؟
يسأل البعض: ماذا حققت المعارضة؟
والجواب بسيط:
هل وظيفة المعارضة أن تحكم أم أن تراقب؟
هل المطلوب منها أن تتخذ القرار أم أن تكشف الاختلالات وتدافع عن مصالح المواطنين؟
إذا كان معيار النجاح هو الجرأة في مساءلة الحكومة، وإثارة الملفات الحساسة، والدفاع عن المال العام، وإيصال صوت المواطنين إلى المؤسسات، فإن حصيلة رشيد حموني خلال هذه الولاية تتحدث عن نفسها.
فالمعارضة ليست سلطة تنفيذية حتى تُحاسب على الإنجاز الحكومي، لكنها سلطة رقابية وسياسية مهمتها التنبيه والتحذير وكشف الاختلالات واقتراح البدائل.
وهذا بالضبط ما قام به الرجل طيلة سنوات هذه الولاية.
رجل دولة قبل أن يكون معارضا
أقوى ما يميز رشيد حموني ليس حدة مواقفه فقط، بل إيمانه العميق بالمؤسسات.
فهو معارض، نعم.
لكنه معارض يؤمن بالدولة ومؤسساتها.
معارض يدافع عن الديموقراطية من داخل المؤسسات لا من خارجها.
معارض يدرك أن قوة المغرب لا تكمن في غياب الأصوات المختلفة، بل في وجود أصوات حرة ومسؤولة تمارس حقها الدستوري في الرقابة والمساءلة.
بولمان… الوفاء للأرض والناس
غير أن الحديث عن رشيد حموني لا يكتمل بالوقوف عند أدواره الوطنية داخل البرلمان فقط، لأن أحد أبرز أسرار حضوره السياسي يكمن في حفاظه على خيط متين يربطه يومياً بقضايا ساكنة إقليم بولمان التي منحته ثقتها وحملته مسؤولية الترافع باسمها داخل المؤسسة التشريعية.
فخلال الولاية التشريعية 2021 – 2026، لم يتعامل حموني مع التمثيلية البرلمانية باعتبارها مجرد صفة سياسية، بل باعتبارها التزاما يوميا تجاه المواطنين الذين ينتظرون حلولا لمشاكلهم الحقيقية.
لذلك ظل حاضرا في مختلف القضايا التي تؤرق الإقليم، من إشكاليات العزلة المجالية والبنيات التحتية والطرق والمسالك القروية، إلى قضايا الصحة والتعليم والماء الصالح للشرب والتشغيل والتنمية المحلية.
لقد تحولت أسئلة رشيد حموني البرلمانية ومداخلاته داخل اللجان والجلسات العمومية إلى صدى مباشر لانشغالات ساكنة بولمان.
فكلما برزت أزمة أو تعثر مشروع أو تأخر تنفيذ برنامج تنموي، كان من بين أول المتدخلين لمساءلة القطاعات الحكومية المعنية والمطالبة بتوضيحات وإجراءات عملية.
ولعل ما يميز أداءه النيابي هو أنه لم يحصر اهتمامه في القضايا الوطنية الكبرى فقط، بل ظل يعتبر أن الدفاع عن المغرب يبدأ من الدفاع عن المناطق التي ما تزال تنتظر نصيبها العادل من التنمية والاستثمار والخدمات العمومية. ولذلك لم يكن يتردد في نقل مطالب الساكنة كما هي، بعيدا عن الحسابات الضيقة أو منطق المناسبات الانتخابية.
وفي الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بصراعات سياسية عابرة، كان حموني حريصا على إبقاء قضايا بولمان حاضرة في أجندة النقاش البرلماني، مؤمنا بأن النائب الحقيقي هو الذي يحمل هموم المواطنين إلى المؤسسات، لا الذي يكتفي بحمل صفته التمثيلية.
ولم تكن علاقته بالإقليم علاقة موسمية مرتبطة بالمواعيد الانتخابية، بل علاقة انخراط دائم في تفاصيل الحياة اليومية للساكنة، إنصاتا لمشاكلها، ومواكبة لتطلعاتها، ودفاعا عن حقها في التنمية والكرامة والعدالة المجالية.
ومن هنا اكتسب حضوره السياسي مصداقية خاصة؛ فهو حين يتحدث عن العدالة الاجتماعية يفعل ذلك انطلاقا من معايشة واقعية لمعاناة المواطنين، وحين يدافع عن التنمية المجالية فإنه يستحضر واقع مناطق ما تزال تنتظر المزيد من الإنصاف. لذلك استطاع أن يجمع بين دور المعارض الوطني الذي يراقب السياسات العمومية الكبرى، ودور النائب البرلماني القريب من نبض المواطنين والمنصهر في قضاياهم اليومية.
ولعل هذا الجمع بين الوطني والمحلي هو ما جعل تجربة رشيد حموني خلال هذه الولاية تحظى باهتمام خاص؛ إذ لم يكن صوتا معارضا داخل البرلمان فحسب، بل كان أيضا صوت بولمان داخل الدولة، حاملا آمال ساكنتها ومدافعا عن حقوقها ومطالبها المشروعة بكل ما يتيحه الدستور من آليات رقابية وترافعية.
ولهذا استطاع أن يرسخ صورة البرلماني الذي يجمع بين الجرأة والرصانة، وبين الحزم والمسؤولية، وبين الدفاع عن المواطن واحترام المؤسسات.
حين تُكتب حصيلة الولاية التشريعية 2021 – 2026، سيظل اسم رشيد حموني حاضرا باعتباره أحد أبرز الوجوه المعارضة التي اختارت الانحياز إلى قضايا المواطنين، ورفعت صوتها في الملفات التي آثر كثيرون الابتعاد عنها.
قد يختلف معه البعض سياسيا، وقد يعارضه آخرون حزبيا، لكن ما يصعب إنكاره هو أنه كان حاضرا حيث كان المواطن ينتظر صوتا يدافع عنه، وأنه جعل من المعارضة أداة للمساءلة لا مجرد موقع سياسي.
وهذا في حد ذاته مكسب للديموقراطية وللعمل البرلماني وللمشهد السياسي المغربي ككل.
